( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا )
الجزء ٢ · صفحة ٤١٣هذا معنى كلامه، وهو تفسير ذو رونق براق ولكن ما ثبت عن سلف هذه الأمة من سبب نزول الآية يخالفه، وقد روي ذلك في أسباب النزول عن جماعة من الصحابة؛ منهم إماما التفسير ابن مسعود وابن عباس، وتعاقب المفسرون على حمل المثل على ما تقتضيه الروايات ولو كان المراد بالمثل ما ذهب إليه صاحب المنار لما كان للسلف جميعا أن يعدلوا عنه حتى لا يكون له وجود فيما أثر عنهم، ومع ذلك فليس احتماله ببعيد.
وأصل الفسق الخروج، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، ولذا سميت فويسقة، وأطلق في الشرع على الخروج عن أمر الله بارتكاب ما حظر أو ترك ما فرض، سواء كان خروجا يؤدي إلى الانسلاخ من الملة أم لا، وهذا الذي تدل عليه الآيات القرآنية نحو قوله تعالى: ( وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون )(1)، فإن تكذيبهم بعذاب الله المدلول عليه بالنصوص القاطعة مخرج لهم عن ملة الإسلام، ومثله ما في هذه الآية بدليل أنها سيقت لوصف الذين يكفرون بما يضربه الله من الأمثال، وقد واطأ الفسق النفاق في قوله تعالى: ( إن المنافقين هم الفاسقون )(2) وجاء مقابلا للإيمان في قوله سبحانه: ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا )(3)، وقوله: ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه )(4).
وخصته المعتزلة بما دون الشرك من الكبائر، وهو اصطلاح خاص بهم كالمنزلة بين المنزلتين وهي منزلة الفسق بين الإيمان والكفر، لأنهم لا يقولون بكفر النعمة، وأول من حدَّ له هذا الحد منهم إمامهم وَاصل ابن عطاء حسبما ذكر الزمخشري، ولا مشاحة في الاصطلاح غير أنه لا ينبغي أن يقصر مفهوم لفظ عما أطلقه فيه القرآن.
وإسناد الهدى والضلال إلى الله إسناد حقيقي لأنه تعالى الخالق للضلال