( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا )
الجزء ٢ · صفحة ٤١٦ولصاحب المنار في معنى العهد كلام خلاصته أن العهد هنا مجمل لم يسبقه ولم يتله ما يبينه، لأن الواقع هو الذي يكشف عن المراد به، وفي ذلك غنى عن التفصيل القولي، ويرشد إلى فهم العهد الإلهي هنا معنى الفسوق المتقدم بيانه، فإن الفسقين هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وقد سبق أن الفسوق- على رأي صاحب المنار- هو الخروج عن سنن الله تعالى في خلقه التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وعن هداية الدين بالنسبة إلى الذين أوتوه خاصة، فعهد الله تعالى هو ما أخذهم به بمنحهم مما يفهمون به هذه السنن المعهودة للناس للنظر والاعتبار، والتجربة والاختبار، أو العقل والحواس المرشدة إليها وهي عامة والحجة بها قائمة، على كل من وهب نعمة العقل وبلغ سن الرشد سليم الحواس، ونقضه عبارة عن عدم استعمال تلك المواهب استعمالا صحيحا.
حتى كأنهم فقدوها وخرجوا من حكمها كما قال تعالى: ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون )(1)، وكما قال فيهم أيضا: ( صم بكم عمي فهم لا يعقلون )(2)، هذا هو القسم الأول من العهد الإلهي وهو العام الشامل، والأساس للقسم الثاني الذي هو الدين، فالعهد فطري خلقي وديني شرعي، فالمشركون نقضوا الأول وأهل الكتاب الذين لم يقوموا بحقه نقضوا الأول والثاني جميعا، ومن هذا النقض إنكارهم ضرب المثل(3).
هذا رأيه في العهد ونقضه وهو صادر عن فرط تقديره لمواهب الإنسان كالعقل والوجدان، ومأخذه قوي غير أني لا أجد داعيا إلى التفرقة بين العهد الفطري والعهد الديني، فالدين ما هو إلا توجيه إلهي لهذه الفطرة، ولذلك يأتلف معها ولا يختلف، وصدق الله ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) (4)، ومهما يكن فإن الدين