الأسماء التي علمها آدم
الجزء ٣ · صفحة ٣٩تعاملهم مع هذه الأشياء وعدم تصورهم إياها .
وبهذا التحرير يتبين لك أن الصحيح هو ما عليه الجمهور من أن المراد بالأسماء الألفاظ الدالة على المعاني وقد أجاد الشهابان الخفاجي والألوسي حيث قالا إن في ما حكاه الفخر الرازي نظرا ، ويتبين لك أيضا إن أصح الأقوال هو أن المراد بالأسماء أسماء الأجناس وهو قول وسط بين إفراط الغالين وتفريط المقصرين ، إذ دعوى أن الله علمه جميع اللغات التي تتحدث بها ذريته إلى يوم القيامة أو علمه كل ما يكون في المحيط الإنساني إلى أن يرث الله الأرض إفراط لا يستند إلا إلى الوهم ، وقول من قال إن المراد بالأسماء أسماء الملائكة فحسب أو أسماء النجوم ، أو أسماؤه تعالى الحسنى ليس بشيء ، فان حاجة البشر إلى معرفة الأشياء الأرضية التي تشيد ضرورتهم إليها ابلغ من حاجتهم إلى معرفة أسماء الملائكة والنجوم ، ومن ناحية أخرى فإن قوله تعالى من بعد :( ثم عرضهم على الملائكة ) يدل على أنه سبحانه جاء بمسميات هذه الأسماء فعرضها على الملائكة وطالبهم بأن يخبروه بأسمائها ، وإذا كانت هذه الأسماء للملائكة فكيف يكون هذا العرض على الملائكة أنفسهم ، والقول بأنه عرض على كل طائفة منهم طوائف أخرى ، وطالب الطائفة المعروض عليها أن تخبر بأسماء الطائفة المعروضة هو في منتهى التكلف وليس له حظ من الدليل ، وأبعد من ذلك عن الصواب القول بأنها أسماء الله الحسنى فإن عرض مسماها مستحيل عقلا ونقلا .
ومن الظاهر بداهة أن المراد بقوله :( ثم عرضهم على الملائكة ) – 31 البقرة – عرض مسميات هذه الأسماء لا الأسماء نفسها فإنها أعراض تتعذر مشاهدتها ، وعود الضمير على المسميات وإن لم يسبق لها ذكر لأجل قرينة ذكر أسمائها ، والرباط بين الاسم ومسماه رباط قوي فالأسماء إنما وُضعت لأجل استحضار ماهيات مسمياتها بحيث تكون مجلوة للأذهان ، وهذه الصلة بين الاسم ومسماه هي التي أدت بالكثيرين إلى القول بأنهما شيء واحد ، وقد سبق الكلام