جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جنة آدم

الجزء ٣ · صفحة ٩٢

السلامة من مغبة الخوض فيما لا علم لنا به ، والأدلة التي استند إليها كلا الفريقين يعروها الاحتمال كما تقدم ، والدليل إذا عراه الاحتمال سقط الاستدلال به ، ولعل قوله تعالى : ( إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ) ( طه : 118- 119 ) يجوز أن يُستأنس به للقول بأنها جنة النعيم لأن هذه الأوصاف أنسب بها غير أن الاستئناس لا يكفي وحده أن يكون دليلا خصوصا في الاعتقادات التي يجب الاستناد فيها إلى القطعيات .

والأمر بسكنى آدم وزوجه الجنة وُجه إليه ولم يُوجه إليهما معا لأن المرأة تابعة للرجل ، وقد سكت القرآن عن وقت خلق حواء فما لنا إلا أن نسكت عنه وإن كان في ذلك مجال رحب للذين يسوغون لأنفسهم أن يقولوا ما لا يعلمون ، وقد اختلفوا ؛ فقال بعضهم : خُلقت في الجنة بعد أن كان آدم وحيشا لعدم المؤانس ، فألقى الله عليه نومة فخلقها من ضلعه الأيمن ولما استفاق وجدها بجانبه فسألها عن نفسها فأجابته بأنها امرأة خُلقت له ليسكن إليها ؛ وقال آخرون خُلقت قبل إسكانهما في الجنة ثم حملتهما الملائكة إليها على سرير من ذهب ، وكانت ثيابهما من نور ، وكلا القولين منسوبان إلى بعض الصحابة ، والأسانيد التي تلقيا منها واهية جدا ، والقضايا الغيبية لا يستند فيها إلا إلى ما نزل من عند الله أو حدث به المعصوم صلوات الله وسلامه عليه ، وصحت نسبته إليه ، وما أكثر ما حشي به التفسير من أقاويل أهل الكتاب – مع عزوها إلى الصحابة رضي الله عنهم – في هذه القضايا ، ويمكن أن يُقال بأن قوله تعالى : ( اسكن أنت وزوجك الجنة ) ( الآية 35 – البقرة ) أدل على القول بأنها خلقت قبل سكناه فيها .

وقد شاع استدلال المفسرين وغيرهم للقول بأن حواء خُلقت من ضلع آدم بقوله تعالى : ( خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ) ( الأعراف : 189 ) وبحديث أبي هريرة عند الشيخين (( إن المرأة خُلقت من ضلع )) وليس في ذلك نص على ما قالوه فإنه يحتمله

٨٦٩ / ١٬٢٢٠