جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جنة آدم

الجزء ٣ · صفحة ٩٣

ويحتمل ما قاله الإمام محمد عبده من أن المراد بقوله تعالى : ( منها ) من جنسها ، كما في قوله عز وجل : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ) ( الروم : 21 ) فإنها لا يماري أحد في أن الله لم يخلق امرأة كل رجل من بدنه ، وإنما المراد بقوله : ( من أنفسكم ) من جنسكم ، وما قاله السيد رشيد رضا في الحديث أنه محمول على ما يُحمل عليه قوله تعالى : ( خُلق الإنسان من عجل ) ( الأنبياء : 37 ) .

وقد أباح الله لآدم وزوجه التنعم بأكل ثمار هذه الجنة أكلا هنيئا لا يكدر شيء من التقتير بدلالة قوله ( رغداً ) ، فان الرغد هو الواسع عند العرب ، ولا ينافيه النهي عن الاقتراب من شجرة ما سواء كانت شجرة معينة ، أو جنسا معينا من الأشجار ، فإن النهي عنها مع إباحة سواها لا يدخل عليهما شيئا من الكدر . 0ونجد النهي عن تلك الشجرة لم يقتصر على الأكل منها بل شمل القرب منها لأجل سد ذرائع المعصية ، فإن الدنو منها مفض إلى ارتكابها ، ونحوه قوله عز وجل : ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) (الإسراء : 32 ) ، ومن ثم حُجر على الإنسان ممارسة أي سبب يفُضي إلى معصية الله كما يدل عليه حديث النعمان بن بشير عند الشيخين قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه )) وفي ذلك داعية إلى نفرة المسلم العاقل من كل المعاصي بعدم الحوم حول حماها ، والقرب من الأمر يهون خطبه ويدعو إلى ألفته ، والنفس ميالة بطبعها إلى ما فيه مضرتها إن لم يتعهدها صاحبها بالرعاية ويستمد من الله التوفيق والعون .

٨٧٠ / ١٬٢٢٠