جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جنة آدم

الجزء ٣ · صفحة ٩٤

ومن باب النهي عن الدنو من المحرمات ما فصله الفقهاء من تحريم بيع الذرائع المسمى ببيع العينة ، ونحوه من العقود التي يحتال بها المحتالون ليسوغوا لأنفسهم ارتكاب ما حرم الله من الربا . وقرب يقرب كقرب يقرب في دلالتهما على الدنو ، وقد نص على عدم التفرقة بينهما كل من الجوهري في صحاحه ، والفيروز أبادي في قاموسه ، وابن منظور في لسانه ، وحُكي عن ابن العربي أنه نقل عن الشاشي التفرقة بجعل قرب بالكسر بمعنى (( الملابسة )) ، وقرب بالضم بمعنى (( الدنو )) ، وذكر مثله الزبيدي في شرح القاموس ونسبه إلى أرباب الأفعال كما نسبه إلى شيخه – ويعني به الفاسي – والقول الأول هو المشهور ، ولا معنى لهذه التفرقة فإن حمل القرب على التلبس بالشيء مجاز ولا يستقل المجاز عن الحقيقة بصيغة معينة .

وقد عُطف قوله كلا في هذه السورة بالواو بخلاف ما في سورة الأعراف وهو قوله سبحانه : ( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ) ( الأعراف : 19 ) فإن عطفه فيه بالفاء ، ولا إشكال في ذلك فإن الواو لمطلق الجمع فلا ينافي مدلولها مدلول الفاء ، وذهب الفخر الرازي إلى التفرقة بين ما في السورتين ، وخلاصة قوله أن المعطوف على الفعل إن كان ذلك الفعل كالشرط له وهو كالجزاء يُعطف بالفاء دون الواو كقوله تعالى : ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ) ( البقرة : 58 ) ، فإن الأكل منها متعلق بدخولها فلذلك عطف بالفاء كأنه قال إن دخلتموها أكلتم منها ، وعطف بالواو في قوله : ( اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم ) ( الأعراف : 161 ) لأن الأكل لا يتوقف على السكنى فقد يأكل من البستان من كان مجتازا به ، وعليه فإن الأمر بالسكنى في سورة البقرة يُراد به الاستمرار في البقاء ، وقد ورد بعد أن كان آدم في الجنة ، وليس ذلك شرطا للأكل ، فلذلك عُطف بالواو ، والأمر بها في سورة الأعراف ورد قبل دخوله الجنة ، فهو محمول على دخولها ،

٨٧١ / ١٬٢٢٠