جنة آدم
الجزء ٣ · صفحة ٩٦والصبغة اليهودية بادية على هذا القول ، فإن اليهود هم الذين يقولون بأن منشأ طرد الإنسان من رحمة الله ، وإقصائه عن دار كرامته أكله من شجرة المعرفة التي ميز بها بين الخير والشر ، وإن عجبت فإنني أعجب ممن يتقبل ذلك عنهم ويؤثره في تفسير كتاب الله والقرآن نفسه ينادي بأن فضل الإنسان إنما كان بالعلم الذي فضل به على الملائكة حتى أمروا بالسجود له .
وقد ذكر المفسرون تفصيل قصة الأكل من الشجرة ، ومن ذلك أن آدم لم يأكل منها حتى كانت حواء هي البادئة بالأكل ، وذلك لا يختلف عما قبله في كونه قولا لم يبن على دليل .
وقد أسرف القرطبي في الاستناد على هذه الحكايات الوهمية حتى أتى شيئا إمرا إذ ادعى أن المعصية لم تتحقق بأكل حواء وحدها من الشجرة حتى تبعها آدم فتحققت معصيتهما فكان ما كان من عقاب الله لهما بإخراجهما من الجنة بعدما أريا سوآتهما ، ومنشأ قوله بأن المعصية لم تقع حتى أكلا جميعا أن الخطاب بالنهي وجه إليهما معا ولم يخص كل واحد به ، وبني على ذلك أن من قال لزوجتيه : إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو لأمتيه إن فعلتما فأنتما حرتان ، بان الطلاق والعتاق لا يقعان حتى يصدر ذلك منهما معا ،وأذكر – تبعا لابن العربي – ما يعارض هذا القول لعدم وقوع الشرط وهو دخول الاثنتين كما أن آدم وحواء لم يكونا ظالمين حتى أكلا جميعا من الشجرة مع قوله عز وجل : ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) (1) ( الآية 35 – البقرة ) .
وهو كلام جدير بأن يستوقف كل سامع ، كيف لا يكون ارتكاب النهي معصية وظلما حتى يقع ذلك من كل من وجه إليهم الخطاب إذ لا فرق بين صيغة التثنية وصيغة الجمع في مثل هذا ؟ ويترتب على هذا القول أن لا يصدق حكم المعصية على أحد حتى يرتكب الناس كلهم ما نهوا عنه ما دام الخطاب بالنهي موجها إليهم جميعا فيجوز لكل زان أن يعتذر عما ارتكب بأنه غير عاص ما لم يزن جميع الذين خوطبوا بقوله تعالى : ( ولا تقربوا الزنا