جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ) 43

الجزء ٣ · صفحة ١٥٩

بني إسرائيل ، لما يلزمه من تفكك الجمل وخروج الكلام عن نسقه ، فما قبل الآية وما بعدها خطاب لبني إسرائيل فما الذي يقحم وسطه خطاب المسلمين ، على أنه مما اتفق عليه أن الأمر لا يعطف على آخر إن كان المأمور في المعطوف غير المأمور في المعطوف عليه إلا مع القرينة نحو ( يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ) ( يوسف : 29 ) وقد حصر بعضهم القرينة في النداء كما تقدم ، وما يقولونه – من أن المشرك لا يتأتى منه القيام بالعبادات ما دام متلبسا بالشرك فهو إذن غير مخاطب بها – باطل من أساسه ، إذ الشرك لا يعدو أن يكون كسائر الموانع التي يمكن التخلص منها ، فالحدث الأصغر والأكبر مانعان من الصلاة ولكن لا يعني ذلك أن المحدث غير مخاطب بها ، وأنه مخاطب برفع الحدث وحده ، بل هو مخاطب بها مع مخاطبته برفع الحدث ، وكذا المشرك مطالب بالإيمان والعبادات معا ، ولا تسقط عنه العبادات مع تركه الإسلام ، لأن الإسلام شرط لصحتها وليس شرطا لوجوبها .

ولعله التبس شرط الوجوب بشرط الصحة على إفهام القائلين بعدم تكليف المشركين بفروع الشريعة .

وقد تقدم معنى إقام الصلاة ، وأما إيتاء الزكاة فهو إعطاؤها مستحقيها ، وهي مأخوذة من زكا الزرع

إذ إنما ، أو من زكا الشيء إذ طهر ، فهي نماء للمال لأنها سبب لحلول البركة فيه كما أنها نماء لنفس المزكي لأنها توفر أخلاقه الحميدة ، وتضاعف حسناته ، وتقيه شرور الدنيا والآخرة ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى :

( ويربي الصدقات ) ( البقرة : 276 ) ، وهي تطهير للمال وصاحبه ، كما نص عليه قوله تعالى : ( خذ من

أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ( التوبة : 103 ) ، وذلك أن النفس البشرية جُبلت على حب الاستزادة

من الأموال ، فإذا تركت وما جُبلت عليه تأصلت هذه الجبلة فيها فاستعصى علاجها وتعذر استئصالها فتسعى إلى توفير المال ولو على حساب الغير ، وقد جعل الله إيتاء الزكاة وسيلة من وسائل علاجها .

والزكاة فُرضت في

٩٣٤ / ١٬٢٢٠