( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ) 43
الجزء ٣ · صفحة ١٦٠الإسلام في مرحلة مبكرة من تأريخ دعوته ، وقد سبق شرح ذلك وبيان أدلته وهي
الآيات المكية الآمرة بها ، والمحذرة من التهاون فيها ، والمادحة لمن حافظ عليها ، ويعضد هذا أن في القرآن
المدني ما يحكي أمر المؤمنين بها قبل مشروعية الجهاد – وذلك قبل الهجرة قطعا – وهو قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ( النساء : 77 ) ، وإنما فُصلت أحكامها في العهد المدني ، وهذا الذي دعا كثيرا من الفقهاء وغيرهم إلى القول بأنها لم تفرض إلا في المدينة ، وكثير منهم قالوا :
إن فرضها كان في السنة الثانية للهجرة ، وحدد بعضهم ميقات فرضها من تلك السنة ، فقال : إنها فرضت بعد الصوم ، وقال آخرون : إنها فرضت في السنة الرابعة للهجرة .
ولما أن مشروعية الزكاة لسد حاجات الفقراء – بجانب ما فيها من تطهير النفس والمال – فرضت فيما
هو قوام للحياة من أنواع الزرع والماشية ، كما أنها فرضت في التجارة لأجل ما فيها من تبادل المنافع ، وفي
النقدين لأنهما وسيلة قضاء الحاجات وجلب المنافع ، ومن هنا لا نجد محيصا من القول بوجوبها في أي عملة
تسد مسد النقدين كالأوراق المتعامل بها فإنها إن ألغيت فيها الزكاة أجحف حق الفقراء في أموال الأغنياء ،
ويؤكد وجوبها في الأوراق أنها تستمد قيمتها من النقد الذي ضُمنت به سواء كان هذا الضمان حقيقيا أم اعتباريا ، فلولاه لم تكن لها قيمة ولم تطمئن إليها النفس في المعاملة ، ولم تسقط بها الحقوق ويثبت بها الوفاء ، أرأيتم لو أن إنسانا وجب عليه لآخر ألف دينار من الذهب ضمانا لسبب من الأسباب ولم يجد الدنانير الذهبية فدفع إليه ما يسد مسد قيمتها من الأوراق النقدية ألا يسقط عنه الضمان ؟ ومثل ذلك يقال في ديات القتلى ، وأروش الجرحى ، وصدقات النساء ، أليس في سقوط الضمانات بها واستباحة الفروج ما يدل على أنها استمدت قيمتها من النقد الذي ضمنت به ، أرأيتم لو دُفع بدلا منها