تبصير العلماء بمسالك السلامة والخطر
الجزء ٣ · صفحة ١٨٨فما كاد من حوله يسمعون هذا البيت حتى ارتفعت أصواتهم بالبكاء لتأثير موعظته على نفوسهم.
وهذا التوبيخ لا يعني أن الفاجر غير مكلف بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهما فرضان لا يسقطان في الفجور، وقد وهم من زعم أن الفاجر ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإن فجوره لا يسقط عنه واجبا، ولا يمنعه من إحسان، وقد أجاد سعيد بن جبير في قوله: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن المنكر.
ومحا الاستنكار والتوبيخ في الآية هو نسيان أنفسهم مما يأمرون به غيرهم، وليس أمرهم الناس بالبر وإنما مثلها مثل قول القائل: أتعرف الله وتعصيه؟ أو تصوم ولا تصلي؟ فإن الإنكار واقع على المعصية، وترك الصلاة دون معرفة الله والصوم، وقد أجاد ابن عاشور في قوله: ( ليس المقصود نهي ولا تحريم، ويدل لذلك أنه قال في تذييلها ( أفلا تعقلون ) ولم يقل أفلا تتقون أو نحوه )(5) .
وإنما كانت هذه الحالة فظيعة – وإن كان إهمال الإنسان نفسه من عمل البر مذموما ولو لم يأمر به غيره – لأن أمر غيره به دليل على انتباهه له ومعرفته بجدواه، ويلام العالم ما لا يلام الجاهل ويعنف الذاكر ما لا يعنف الغافل، وبهذا يتضح لك أن الواو في ( وتنسون أنفسكم ) للحال، كما يتضح لك بعد تجويز ابن عاشور أن تكون عاطفة وأن يكون معطوفا – وهو ( تنسون أنفسكم ) - هو المقصود من التوبيخ والتعجيب، والمعطوف عليه – وهو ( أتأمرون الناس ) - تمهيدا لها على معنى أن محل الفظاعة الموجبة للنهي هي مجموع الأمرين (6).
وإذا كان محط الإنكار والتعجيب قوله: ( وتنسون أنفسكم ) فإن في قوله: ( وأنتم تتلون الكتاب ) إضافة توبيخ إلى توبيخ لأن الجدير بمن تلا كتاب الله فميز بنوره بين الحق والباطل، والرشد والضلال، أن يكون أسرع إلى الاستفادة بما فيه من خير، والاستنارة بما يحويه من الهدى، وذلك بإتباع أوامره، والكف عن زواجره،