تبصير العلماء بمسالك السلامة والخطر
الجزء ٣ · صفحة ١٨٩والوقوف عند الحدود التي رسمها.
والتلاوة القراءة مأخوذة من تلا يتلو تلوا بمعنى تبع، وذلك أن التالي للكتاب يتبع آخره إثر أوله حتى يأتي على حروفه وكلماته فيستجمع ما فيه من المعاني، والمراد بالكتاب هنا التوراة التي حُملوها فلم يحملوها، أي لم يأتمروا بأمرها، فكان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، ومن عدم إتمارهم بما فيها إعراضهم عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم مع ما يتلونه في الكتاب من نعوته وأخباره.
وفي هذا التوبيخ تنبيه إلى أن التلاوة اللسانية إن لم يصحبها التأثر النفسي الذي يصدر عنه العمل بموجب ما يتلى ليست من ورائها جدوى إذ كل ما أنزله الله من كتاب إنما أنزله ليكون هدى للناس يقتادهم إلى صراط الله العزيز الحميد، فقرّاء القرآن من هذه الأمة الذين يقتصرون في تلاوتهم على تحسين الأنغام وتجويد الحروف – مع نسيانهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وإرشاداته – مندرجون فيمن يصدق عليهم هذا التقريع والإنكار.
وقوله: ( أفلا تعقلون ) تقريع آخر لأن من شأن العقل تبصرة صاحبه بما ينفع وما يضر، وما يحمد وما يذم، والعاقل يشفق على نفسه من كل ما يرديها فلا ينساها مما يأمر به من غيرها من الصلاح والرشاد.
وأصل العقل الحبس، ومنه عقال البعير لأنه يعقله – أي يحبسه – عن الانطلاق، وسمي به هذا النور الروحاني الذي أودعه الله في الإنسان فرفع به قدره، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا لأنه يعقل صاحبه عما فيه مضرته الحسية والمعنوية، ولولاه لكان الإنسان – لطغيان شهواته وتأجج غرائزه – أسوأ من السباع الفتاكة، وإنما جعله الله قيدا لما في الإنسان من طبائع مردية وقوى ذات خطر على صاحبها وعلى جنسه، فإذا ما استخدم العقل تحولت هذه الطبائع والقوى من الضر إلى النفع، ومن التدمير إلى التعمير، والنفس الإنسانية ذات مطامح شتى، فهي تطمح بطبعها إلى وفرة المال، وقوة السلطان والعلو على الغير، فلولا كفكفة العقل لها لسعت في الأرض فسادا،