جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون )48

الجزء ٣ · صفحة ٢١٠

بعدك )، وهو يتفق مع تفسيره بيغني فإن المؤدى واحد والمراد أن أي نفس لن تقضي يومئذ شيئا من غيرها.

والشفاعة هي توسط أحد بين ذي حق ومن عليه الحق لعفو ذي الحق عن حقه، سواء كان الحق عينيا أم اعتباريا وهي تنبئ عن مكانة الشافع لدى المشفوع لديه، وتعود ثمرتها إلى المشفوع له، وهي مأخوذة من الشفع ضد الفرد لأن المستشفع بغيره إنما استكثر به لدى المشفوع لديه، فإذا ضم صوته إلى صوته كان شفعا بعد أن كان المشفوع له فردا.

والعدل الفدية وأصله ما يساوي الشيء قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه، وأما العِدل ( بالكسر ) فهو ما يساويه من جنسه وفي جرمه.

وأصل النصر المعونة، ومنه الأرض المنصورة، أي الممدودة بالمطر، والمراد به هنا دفع الضرر، والضمير هنا – كسابقيه في قوله: ( ولا يقبل منه شفاعة ولا يؤخذ منها عدل )- عائد إلى ما دلت عليه لفظة ( نفس ) الثانية وإنما جمع لكون نفس نكرة في سياق النفي، والنكرات المنفية للعموم، وذُكِّر لأنه بمعنى العباد أو الأناسي وإنما كانت هذه الضمائر عائدة إلى ( نفس ) الثانية دون الأولى لأنها هي المقصودة بالتحذير والإنذار، ومعنى ذلك أن النفس العاصية لا تجد يومئذ نفسا أخرى تقضي عنها شيئا، ولو وجدتها لم يقبل منها قضاؤها، ولو جاءت بشفاعة شفيع لم تقبل منها، وكذلك لو ما جاءت بعدل يفديها ثم لو التمست نصيرا حميها من عذاب الله لم تجده، وقيل: إن الضميرين السابقين عائدان إلى نفس الأولى بخلاف هذا الضمير الأخير، ومعنى ذلك أن تلك النفس – كما أنها لا يقبل قضاؤها عن النفس العاصية – فكذا لا تقبل شفاعتها لها، ولا فديتها عنها، واعتمد هذا القول القطب – رحمه الله – في الهيميان، واستدل له بكون النفس الأولى هي العمدة والثانية فضلة، والأصل أن يعود الضمير إلى العمدة دون الفضلات ، وذهب في التيسير إلى أن الضمير الأولى للأولى والثاني للثانية(10) ، وسوغ ذلك في الهيميان كما سوغ عودهما معا إلى النفس الثانية

٩٨٥ / ١٬٢٢٠