جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون )48

الجزء ٣ · صفحة ٢١١

للتناسب نع قوله: ( ولا ينصرون )؛ وجوز ابن عطية عود الضمير في قوله: ( لا ينصرون )على النفسين المتقدم ذكرهما، لأن اثنين جمع، أو لأن النفس للجنس وهو جمع(11) ، وأنكر الألوسي الوجه الأول ووصفه بأنه ليس بشيء(12) ، كما ضعفه قطب الأئمة لاختصاصه بكون النفسين مشركتين أو فاسقتين أو فاسقة ومشركة، ثم قال لكن له وجه هو أن يكون المعنى أن الأخلاء على المعصية مع حب بعضهم لبعض في الدنيا لا ينصر بعضهم بعضا ولا ينصرهم المؤمنون، وأضاف إلى ذلك قوله: ( والأولى إبقاء النفس على عمومها في المطيع والعاصي وعود الضمير في: ولا هم ينصرون للعصاة )(13) .

وفي هذا التوجيه بعد وتكلف كأول توجيهي ابن عطية، وإنما يسوغ عوده على النفسين باعتبار ما في كل منهما من الدلالة العمومية، وحمل النصر على التوفيق لبلوغ المراد، فالنفس الأولى لا تبلغ مرادها في جدوى جزائها أو شفاعتها أو فديتها، كما أن النفس الثانية ليست ببالغة أمنيتها من إجداء ذلك لها ودرء العذاب عنها.

وفسر بعضهم النصر هنا بالانتقام كالذي في قوله: ( ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا )(14)

وتوجيه هذا التفسير أنهم لا ينتقم لهم من الله – تعالى الله – للإثار لهم مما أنزل لهم من العذاب.

وما ذكر هنا من عدم جزاء نفس عن نفس شيئا في ذلك اليوم… الخ جاء منسقا حسبما عهد في هذه الدنيا من طرق الدفع عن الحميم عندما تنزل به كريهة من عدو قاهر فإن أول ما يبدأ به ذوو مودته أن يدفعوا عنه بمالهم من جاه ومكانة اجتماعية تجعل ذا القهر يتراجع عما كان ينويه بحميمهم، فإن لم يجدهم ذلك توسلوا إليه بلين القول ولطف الشفاعة ليسخُو بالعفو مع قدرته على العقاب، فإن سُدَّ في وجوههم هذا الباب جادوا بالمال وبذلوا الفدية، فإن تعذر ذلك كله لجأوا إلى التحالف على النصرة والتوسل بالعنف إلى ما لم يجدِ فيه اللطف، وقد آيس الله المجرمين من جدوى أية وسيلة من هذه الوسائل في تخليصهم من عقابه بعد

٩٨٦ / ١٬٢٢٠