جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

عدم جدوى الشفاعة لغير الصَّالحين

الجزء ٣ · صفحة ٢١٥

الاستثناء بالإذن والمشيئة )، معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته عز وجل، كقوله تعالى: ( سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله )(9) ، وقوله: ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك )(10) ، فليس في القرآن نص قطعي في وقع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها فما معناها؟ الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره حكم به أم لا، فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع، فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به، كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به، وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب منه على العدالة، وكل من النوعين محال على الله تعالى لأن إرادته تعالى على حسب علمه، وعلمه أزلي لا يتغير (11).

وبعد هذا التحرير في أصل الشفاعة نقل عن شيخه الإمام محمد عبده قوله: ( فما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم وأنها مزية يختص بها الله من يشاء يوم القيامة، عُبر عنها بهذه العبارة ( الشفاعة ) ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه الله جل جلاله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي ).

وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه الله تعالى والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا، ففي رواية الصحيحين وغيرهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم يسجد يوم القيامة ويثني على الله بثناء يلهمه يومئذ فيقال له ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع )، وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هي إظهار كرامة

٩٩٠ / ١٬٢٢٠