جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

عدم جدوى الشفاعة لغير الصَّالحين

الجزء ٣ · صفحة ٢١٦

الشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقب دعائه، وليس فيه أيضا ما يقوي غرور المغرورين الذي يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع احد في الآخرة إلا طاعته ورضاه، ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين فما لهم عن التذكرة معرضين )(12) ، ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى )(13) .

ولا إشكال في ثبوت الشفاعة المشار إليها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنها لا تنافي كون الله تعالى لا تبديل لكلماته، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وإنما هي كما قيل دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العظيم الذي تتقطع فيه الألسن عن ذكر ما يعني الغير، ولا تشتغل فيه القلوب إلا بما يهم أصحابها، وفي استجابة الله تعالى لدعائه عليه أفضل الصلاة والسلام دلالة على مكانته عنده وعنوان على قدره بين الناس.

هذا وقد ذكر الأستاذ الإمام أن اليهود الذي خوطبوا ببيان هذه الحقيقة كانوا – كغيرهم من أهل الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء المصريين واليونان – يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بفداء يدفع بدلا وجزاء عنه – كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية – أو بشفاعة من بعض المقربين إلى الحاكم يغير بها رأيه ويفسخ إرادته، ثم ذكر أن الإسلام اكتسح هذه العقائد وآثارها العملية بالتوحيد الخالص وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزارا مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن، ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة، ولُقنوه كما ترشد إليه كتب التقليد من مصطلحات مبتدعة، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل بالإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا بالتأويل الباطل حقا والكذب صدقا.

وبعد أن ذكر بعض العادات المصرية التي لا تزال يعمل بها باسم الدين

٩٩١ / ١٬٢٢٠