القائلون بانتفاع أهل الكبائر بالشفاعة
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٤– صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما – لا يعدو أن يكون تسليما منهما لأمر الله، ووقوفا عند حدهما، فالمخلوق وإن ارتقى إلى أوج الاصطفاء الإلهي ليس له من الأمر شيء، ولو سلمنا أن هذه شفاعة منهما فمن أين لهم أنها تقبلت عند الله وانه عفا بسببها عن صاحب كبيرة لم يتب منها، ثم من أين لهم خصوصية هذه الشفاعة المزعومة بمن قارف ما دون الشرك من الكبائر مع إن سياق حكاية ما قاله النبيان عليهما السلام في القرآن تدل على خلاف هذا الزعم، فالآيتان السابقتان على ما حكى عن عيسى في سورة المائدة صريحتان في كون الذين يعنيهم المسيح عليه السلام في هذا القول هم الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، والآيتان هما قوله عز وجل: ( وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد )(25) ، وأما المحكى عن الخليل عليه السلام فإنما هو في عبدة الأصنام بدليل ما سبقه وهو قوله عز من قائل: ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم )(26) ، فلو كان في الآيتين موضع للاستدلال لما قالوه كانتا أدل على الشفاعة لمن اتخذ مع الله إلها آخر على أنهما لو كانتا نصا في الدعاء بالمغفرة لما كان في ذلك دليل على قبول الشفاعة، كيف وقد حكى الله عن الخليل عليه السلام أنه استغفر لأبيه ومع ذلك لم يغفر له، وقد بين سبحانه داعية هذا الاستغفار في قوله: ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم