جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

القائلون بانتفاع أهل الكبائر بالشفاعة

الجزء ٣ · صفحة ٢٢٥

)(27) .

ومنه قوله: ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا )(28) ، ووجه استدلالهم به أن مرتكب الكبيرة قد اتخذ عند الله عهدا بتوحيده وإسلامه.

وجوابه أن هذا العهد قد نقضه صاحبه بمعصيته لله، فإن من مقتضيات التوحيد والإسلام الاستسلام التام لأمره، والانقياد المطلق لحكمه، وذلك لا يجتمع مع الإصرار على معصيته.

ومنه قوله تعالى في الكفار: ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين )(29) ، ووجه الاستدلال به أنه منطوق الآية دال على حرمان الكفار من نفع الشفاعة لهم، ومفهومها يقتضي ثبوتها لغيرهم وهم أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

وجوابه أن مفهوم المخالفة مختلف في الاستدلال به في الأمور العملية فكيف يكون حجة في القضايا الإعتقادية، وهي لا تبني إلا على يقين، فلا تستفاد إلا من قواطع الأدلة دون ظنياتها، ومع ثبوت الاستدلال به فلا بد من استيفائه شروطا معينة، منها: أن لا يكون المنطوق جاريا مجرى الأغلب المعتاد، وأن لا يكون جوابا لسائل أو تعليما لجاهل، ولو كان مثل هذا المفهوم حجة في مثل هذا الباب لكاب الوعيد على أي كبيرة حجة في انتفاء الوعيد عما عداها، فيكون نحو قوله تعالى: ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجراؤه جهنم )(30) الآية، حجة على أن غير القاتل لا يصلى جهنم ولو أشرك بالله، وهكذا.

وإن تعجب فأعجب من الفخر الرازي الذي تشبث بأمثال هذه التلفيقات ظانا أنها حجة مثبتة للمطلوب مبكتة للخصم مع أن أصله أن جميع الحجج السمعية ليست حججا قطعية لأن النقل اللغوي ليس تواتريا، ونحن وإن كنا لا نسلم لهذا الأصل فإنا نعجب لهذا التناقض بينه وبين أسلوبه في الاحتجاج.

ومنه قوله تعالى: ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات )(31) ، ووجه استدلالهم به أن الله تعالى أمر نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ، وصفة المؤمن تصدق على مرتكب الكبيرة.

وجوابه أن الإيمان المعتد به نعد الله هو الإيمان الخالص الذي لا

١٬٠٠٠ / ١٬٢٢٠