82
الجزء ٨ · صفحة ٤٢وقد استدل مالك بخرق السفينة على جواز أخذ المال معن الجانى بدلا من حده لإصلاحه كما ذكره العلامة أبو يعقوب يوسف لى الدليل والبرهان وقد رددت على المستدل فى حاشيتى على ورقة أرسلها بعض الجربيين الفاطنين بمصر .
ومن فوائد هذه القصة : أن لا يعجب المرء بعمله ولو بلغ ما بلغ وفاق به الأولين والآخرين أو ساوى به الملائكة أو فاقهم من علم أو عمل دينى أو دنيوى وأن لا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه فلعل فيه سرا لا يعرفه فإنه ولو كان منكرا فإنه يرخص له مقدار أن يتثبت أنه منكر فينهى عنه وإن تثبت حرم عليه التأخير فى النهى ولو لحظة بحسب الإمكان وأن يداوم على التعلم ويتدلل لمعلمه فى مالا يعلمه ولو فاق معلمه فى غير تلك المسألة التى يتعلمها . فإذا ظهرت للتلميذ مسألة لم تظهر لشيخه وجب على شيخه التذلل له فى حين تفهمه إياها منه لأن ذلك هو الإنصاف وقبول الحق وحرم عليه استخراجها منه بتخيل أو كبر أو أن يراعى المتعلم وغيره الأدب فى المقال ، وأن يبنه الإنسان المجرم على إجرامه بلين إن عرف أنه يرتدع به أو لم يعرف وبإغلاظ إن علم أنه لا يرتدع أصلا أولا يرتدع إلا بإغلاظ .
وقيل : إذا لم يعلم أنه لا يرتدع لا يجب عليه نهيه ويتسامح للمجرم بعدم المهاجرة عنه حتى يتحقق إصراره على إجامه فليهاجر عنه .
وقد روى عن على وغيره أن موسى عليه السلام لما أراد فراق الخضر قال له الخضر : استودعتك الله .
قال له موسى : أوصنى .
فقال له الخضر عليه السلام : لا تطلب العلم لتحدِّث به واطلبه لتعمل به ، واجعل همك فى معادك ولا تخض فيما لا يعنيك ، ولا تأمن الخوف فى أمنك ، ولا تيأس من الأمن فى خوفك ، وتدبر الأمور فى علانيتك ، ولا تذر الإحسان فى قدرتك ولا تكن مَشْاءً فى غير حاجة . وإياك واللجاجة ولا تضحك من غير عجب ولا تعيِّر الخطائين بخطاياهم ، وابك على خطيئتك ولا تؤخر عمل اليوم إلى غد ، ولا تنس عيوبك .
ثم قال : يا موسى أتلومنى على خرق السفينة وكسرها مخافة غرق أهلها ونسيت نفسك حين كسرت الألواح ، وتلومنى على قتل الغلام ونسيتن نفسك حين قتلت القطى بغير أمر ، وتلومنى على ترك الأجرة على إقامة الجدار ونسيت نفسك حين سقيت غنم شعيب لله الملك الجبار وليس هذا الأخير عيبا بل أمر حسن مرغب فيه .
وروى أن موسى جاء مع فتاه إلى الخضر من التيه ورجعا منه إليه التيه .
﴿ ذَلِكَ ﴾ الذى فررته عليك يا موسى ﴿ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ ﴾ أصل تسطع تستطع حذفت منها التاء ويقال ايضا فى الآخر اسطاع بحذف التاء وذلك تخفيف لقرب مخرج التاء من الطاء ﴿ عَلَيْهِ صَبْراً ﴾ تقد مثل ذلك .