كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

باب: آية أخرى [{مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا} يومئ إلى أنَّ منهم من لم يصدق]

الجزء ١ · صفحة ٢٦٤

<264> هاجروا إلى رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة، ثُمَّ اجتووها، فخرجوا كَأَنَّهُم عَلَى هيئة البداة، فلم يزالوا ينتقلون منقلة منقلة حَتَّى أصبحوا بِمَكَّةَ، فاختلف أصحاب النَّبِيِّ فيهم، فأنزل الله تَعَالىَ فيهم: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْن﴾، فعلمنا بهذا ومثله أَنَّ تلك الآيات خارجة مخرج الخصوص دون العموم.

باب: آية أخرى [﴿فَمَن نَّكَثَ﴾ تنصيص على إمكانية نكث بيعة الرضوان]

وما خصَّ هَذِهِ الآيات بما هي من نوعها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿اِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنَ اَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَنُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الفتح: 10]، فَهَؤُلاَءِ المهاجرين والأنصار قد بايعوا رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى الإِسلاَم، فقد أوجب في هَذِهِ الآية الجزاء لمن أوفى بما عاهد عَلَيْهِ في بيعته، وجعل الوعيد لمن نكث، وَهَذِهِ أخبار لا يجوز عَلَيْهَا النسخ ولا التناقض. فإن كان حكم هَذِهِ الآية في النكث عامًّا فقد خصَّ تلك الآية، ودخل هَذَا الحكم عَلَى المهاجرين والأنصار، وقد صَحَّ من بعض النكث. وإن كان خَاصًّا فَهَذِهِ الآية إذًا أخصُّ، ولا محيد عن هَذَا؛ إِلاَّ أَنَّهُ متى لم يقض به عَلَى المهاجرين والأنصار صار وضعه كَأَنَّهُ قال: «فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ إِلاَّ المهاجرين والأنصار».

فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون الحكم عند الله كَذَلِكَ؟

قيل لَهُ: ما تنكر أن يكون الحكم كما قلنا نَحْنُ: إِنَّ الرضا قد وجب للمهاجرين والأنصار إِلاَّ من نكث منهم وبدَّل.

فإن قال: هَذِهِ أخصُّ، وآيتكم أعمُّ، فالأخصُّ يقضي عَلَى الأعمِّ، ولا يقضي الأعمُّ عَلَى الأخصِّ.

قيل له: فالأعمُّ أليس هو عامٌّ لِمَا خصَّه، فَلاَ بُدَّ من القول بِذَلِكَ، فيقال له: فيحتمل عندك أن يكون خَاصًّا في بعض ما عمَّه بالتخصيص، فإن قال: نعم يحتمل ذَلِكَ فقد وافق عَلَى دخول أحد الخطابين عَلَى الآخر، فإن قال: لا، يحتمل تخصيصه قوبل بتخصيص الذين اتَّبعُوا رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في ساعة العسرة، إذ جاء الخطاب خَاصًّا فيهم عَلَى العموم وَإِنَّمَا أريد به الخصوص بخروج المنافقين منهم، وَالله أعلم.

باب: آية أخرى [﴿مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ يومئ إلى أنَّ منهم من لم يصدق]

وَمِمَّا خصَّ هَذِهِ الآيات، وهو قريب من نوعها، قَوله تَعَالىَ: ﴿مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ اَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ﴾ [سورة الأحزاب: 23 - 24]، أي عَلَى من تاب منهم، فَهَذِهِ داخلة عَلَى جمع المؤمنين في الجملة، فهو سُبْحَانَهُ قد أطلق الخطاب عَلَى المؤمنين، والمؤمنون في الحقيقة كُلُّهُم صادقون، ولا يقع عَلَيْهِ هَذَا الاسم عَلَى الحقيقة إِلاَّ وهم عنده صادقون، فَلَمَّا أطلقه عَلَيْهِم فقال: ﴿مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ علمنا أَنَّهُم لم يصدقوا جميعا، وقد قال لهم: مؤمنون، فعلمنا أَنَّهُ خطبهم [كذا] بما يعرفونه؛ لأَنَّهُم جميعا جملة واحدة، وطائفة معلومة منسوبون إلى ما يُسَمَّونَ به فيما ظهر من أحوالهم؛ لأَنَّ المتحاربين مثلا إِنَّمَا يقال: هَؤُلاَءِ المؤمنون، أي: حزب الإيمان، لقيامهم به، ودعائهم إِلَيْهِ، فأجرى عَلَيْهِم

٤٨ / ٥٣