مسألة [نماذج من حكم الصحابة على بعضهم بالظاهر: القوم الذين اجتووا المدينة، والخائضون في حديث الإفك]:
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢<242> ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنَ اَضَلَّ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: 88]، قيل: أتريدون أن تجعلوا لأهل الضلال ما جعل الله لأهل الهدى، ثُمَّ قال: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَآءً﴾ أنتم وهم، ﴿فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمُ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء: 89]. وَقِيلَ: إِنَّ طائفة من المسلمين طلبوهم وأخذوا ما كان من شَيْء معهم، وسبقوا بأنفسهم.
ومن المذكورين في هَذِهِ الجملة، أعني المهاجرين والأنصار. كان بعض المنافقين، فممن عرف باسمه: عبد الله بن أبي [بن] سلول، رأس المنافقين، كان خزرجيًّا من الأنصار وطعيمة بن أبيرق سارق الدرع، ومنهم الذين جاءوا بالافك في قذف عائشة، فأنزل الله فيهم ﴿اِنَّ الذِينَ جَآءُواْ بِالاِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسِبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الاِثْمِ وَالذِي تَوَلىَّ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور: 11]، وهو عبد الله بن أبي [بن] سلول الخزرجي الأنصاري. والذين جاءوا بالإفك معه مسطح بن أثاثة، وهو مهاجر، وحمنة بنت جحش، وحسان بن ثابت الأنصاري، فأنزل الله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلاَ يَاتَلِ أُوْلُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُّوتُواْ أُوْليِ الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة النور: 22]، يعني مسطحا، لَمَّا أقسم أبو بكر وعمر وناس من أصحاب رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لا ينفعون مسطحا بخير أبدًا. قال مسطح لأبي بكر: أنشدك بِاللهِ أن تحوجني إلى أحد، فَلَمَّا نزلت الآية إلى قوله: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؟ قال أبو بكر: بلى يَا رَبِّ! بلى يَا رَبِّ! أحبُّ أن تغفر لي وقد غفرت له وأخذت بالفضل، وَإِنَّمَا كان غضبي فيك، فأرسل إلى مسطح فقال له: إِنَّ الله قد حثَّني وعطَّفني عليك وَعَلَى غيرك، فَعَلَى الرأس والعين، أنت اليوم عندي أفضل مِمَّا كنت، لا أحرمك خيرا كنت أصنعه بك. وقال عمر بن الخطاب أَيضًا: لا نمنعك خيرا سألتنا أبدًا يا مسطح. فانظر إلى منزلة كان مسطح عندهم، وهم يعلمون هجرته ونصرته؛ لأَنَّهُ كان مع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم في تلك الغزوة التي بليت فيها عائشة بما بليت. ففيه دَلِيل عَلَى أَنَّهُم لم يكونوا يحكمون لهم بالسعادة. أَمَا قالت أمُّ مسطح لعائشة حين عثرت في مرطها: تعس مسطح، فقالت لها عائشة: ألا تتقين الله؟ أتتعسين رجلا من أهل بدر من المهاجرين؟ قالت: إِنَّكِ لغافلة! فأخبرتها الخبر، وكان مسطح مِمَّن أشاع ذَلِكَ، فانظر كيف كانوا يعتقدون لبعضهم بَعْضًا الفضل إِنَّمَا هو حكم ظاهر بالهجرة والنصرة لا حكم الحقيقة فافهم ذَلِكَ.
فإن قال قائل: هَؤُلاَءِ قوم قد أخبر الله تَعَالىَ أَنَّهُ قد رضي عنهم فليس لنا البراءة من أحد منهم.
قيل له: أَمَّا الذين أخبر الله تَعَالىَ أَنَّهُ قد رضي عنهم فلا تجوز البراءة منهم. وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فلم نعلم أَنَّ الله ذكرهم برضا ولا بسخط عَلَى الحقيقة، وَإِنَّ ما صَحَّ لهم معنيان (1): الهجرة والنصرة في الحكم الظاهر.
فإن قال: أليس الله قد رضي عن المهاجرين والأنصار، وَهَؤُلاَءِ باليقين من المهاجرين والأنصار؟
قيل له: بم تعرف المهاجريَّ والأنصاريَّ ثُمَّ تحكم له بحكم الحقيقة فلا يتبدل؟ فإن قال: بالهجرة من مَكَّة إلى المدينة والجهاد مع رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، قيل: أوكلُّ من هاجر ونصر وليُّ الله عَلَى الحقيقة يُشهد له بِذَلِكَ قطعا؟ فإن قال: نعم، قيل له: ولو ارتدَّ عن الإِسلاَم؟!. فما يمكنه. قيل له: فما حال المنافقين الذين أظهر
(1) كلمة «معنيان» من اجتهادنا وهي في الأصل غير واضحة.