باب: آية أخرى [إنَّ الله لا يتقبَّل إلا الاستقامة والتقوى والإخلاص]
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥<265> اسم ما تحلَّوا به، كما يقال للآخرين: الكافرون، وإن كان فيهم من سيسلم، ولكن خاطبهم المخاطب بحالهم الظاهر؛ فَكَذَلِكَ خاطب الله تَعَالىَ عباده بما يعقلونه فيما بينهم، ولم يُرد فيما عنده في الآخرة؛ وَهَذَا لأَنَّ فيهم مؤمنين، وإن لم يكونوا جميعا في الحقيقة مؤمنين، فقد جاء في القرآن مثل هَذَا كثيرا، لا يحتمل تكريره أكثر من هَذَا.
فصل [لماذا يتوب الثلاثة المخلَّفون وهم داخلون في عموم المهاجرين والأنصار؟]
ومن الدَّلِيل عَلَى الخصوص في هَذِهِ الآيات قَوله تَعَالىَ: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلآَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة التوبة: 118]، فما الذي أحوج هَؤُلاَءِ إلى ذكر التوبة من الله وهم من جملة المهاجرين الذين أوجب الله لهم الرضا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِم التوبة، وَعَلَيْهِم - عَلَى قول المعارض - أن يشهدوا لأنفسهم بالسعادة والرضا من الله، وَإِلاَّ شكُّوا في مخبرات الله تَعَالىَ، ولو كان الرضا والتوبة للمهاجرين والأنصار في الجملة موجبا لِكُلِّ واحد منهم عَلَى الانفراد لَمَا كان لذكرهم بالتخصيص والنصِّ عَلَيْهِم ثانية معنى، وَلَكِنَّ ذَلِكَ المعنى أَنَّ الخطاب محتمل للخصوص، ولاشتماله عَلَى جملة غير مُعَيَّنَة بعدد ولا تسمية.
فإن قال: ما تنكر أن يكون ذَلِكَ كالتأكيد في جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة؟ (1).
قلنا: ذَلِكَ تأكيد التفضيل، أَفَهَؤُلاَءِ أفضل الأنصار؟ ما أظنُّ المعارض يقرُّ بِذَلِكَ ولا يَدَّعِيه، وَالله أعلم.
باب: آية أخرى [إنَّ الله لا يتقبَّل إلا الاستقامة والتقوى والإخلاص]
ومن الآيات التي خصَّت تلك الآيات الْمُتَقَدِّمَة عَلَى معنى اشتمل الجنس قَوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة الأحقاف: 13]، وقوله: ﴿إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فصلت: 30]، وقوله جَلَّ ذكره: ﴿الذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ اُوْلَئِكَ لَهُمُ الاَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنعام: 82]، وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمُ﴾ [سورة مُحَمَّد: 31]، وقوله: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الحجرات: 2]، وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة: 27]، وقوله: ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر: 3]، فَهَذِهِ الآيات وما أشبهها لا تخلو أن تكون خَاصَّةً أو عَامَّة، فإن كنَّ خَاصَّات فالآيات الأخرى أحرى بالتخصيص، وإن كنَّ عامَّات فقد دخلت عَلَى المهاجرين والأنصار وغير [هم] من الخليقة حَتَّى لا يجب الرضا عند الله إِلاَّ للذين استقاموا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، ولم يحدثوا حدثا يبطل أعمالهم، وكانوا متَّقين في جميع أمورهم، وكان دينهم لله خالصا، ولم يحملوا ظلما حَتَّى لقوا الله بقلوب سليمة، ولا اختلفت الأحكام في دين الله، فوجب الرضا لقوم [أ] حدثوا أحداثا منحطها [كذا] (2) الله من غيرهم، وعذَّبهم عَلَيْهَا فلم تَضُرَّ أولئك الذين رضي الله عنهم من غير توبة.
فإن قال: هَؤُلاَءِ محكوم لهم بالرضا عَلَى معنى أَنَّهُم لن يلقوا الله من ركوب الْمُحَرَّمَات.
قلنا: هَذَا مع احتمال الخصوص في المجمل الذي دخلوا [كذا] هَؤُلاَءِ فيها، واحتمال دخول حكم هَذِهِ الآيات عليها، فإن قال: نعم، قلنا: من أين يلزم ذَلِكَ؟ فلا يجد ملجأً إِلاَّ الاستناد إلى العموم
(1) وذلك في قَوله تَعَالىَ: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَآئِلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: 98].
(2) كتب الناسخ أَيضًا فوق الكلمة لفظة «كذا».