فصل [لا موجب لتخصيص الصحابة من عموم الآيات الموجبة للموت على الاستقامة وعدم النكث]
الجزء ١ · صفحة ٢٦٦<266> في الخطاب حَتَّى يَصِحَّ التخصيص. وَهَذَا حكم قد أوضحنا ضعفه، وأين يجب وألاَّ يجب، وفي ذَلِكَ كفاية إن شاء الله.
باب: آية أخرى تخصُّها أَيضًا [الصحابة لا يخرجون عن عموم أحكام من لم يحكم بما أنزل الله وأحكام القاتل]
ومن الدَّلِيل عَلَى الخصوص في تلك الآيات قَوله تَعَالىَ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة: 44]، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [سورة المائدة: 45]، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة: 47]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: 93]، وقوله: ﴿إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٍ﴾ [سورة آل عمران: 21]، فلا تخلو أن تكون أحكام هَذِهِ الآيات داخلة عَلَى المهاجرين والأنصار أو غير داخلة، فإن كانت داخلة عَلَيْهِم وجب أن يقضى عَلَى من صَحَّ عَلَيْهِ شَيْء منها بها. وإن كانت غير داخلة عَلَيْهِم فهي إذًا خَاصَّةٌ لدخولها عَلَى جميع الناس إِلاَّ المهاجرين والأنصار، فَإِنَّ كُلَّ عموم وقع عَلَى جملة وخرج من تلك الجملة شَيْء فهو خاصٌّ فيمن بقي، وَإِنَّمَا يقال: إِنَّهُ عامٌّ إذا كان شاملا موجبا لدخول كُلِّ محكوم فيه، وَإِلاَّ فهو خاصٌّ لانقطاعه واقتصاره عَلَى ما قد عرف.
فصل [لا موجب لتخصيص الصحابة من عموم الآيات الموجبة للموت على الاستقامة وعدم النكث]
فإن قال قائل: إذا ورد الوصف لفريق من الناس مُعَيَّن لم يدخل عَلَيْهِ عموم يشتمل عَلَيْهِ وَعَلَى غيره، فَإِنَّ الخاصَّ يعترض عَلَى العامِّ، ولا يعترض العامُّ عَلَى الخاصِّ، والآيات التي خصَّصتَ بها هَذِهِ الآيات عامَّات، فكيف تخصُّها وهي خَاصَّةٌ في فريق مُعَيَّنين؟.
قلنا: هَذِهِ الآيات وإن كانت خَاصَّةً في فريق مُعَيَّنين فَإِنَّهَا عَلَى الإطلاق عَامَّة فيهم، إذ هم جماعة يُحتَمَلُ فيهم الخصوص، فدخول الخصوص فيهم كدخول الخصوص المطلق في الكافَّة، فحكم خطاب هَذَا الضرب في دخوله عَلَى كُلِّ واحد منهم باسمه وعينه، وإذا ثبت أَنَّ خطاب الفريق المعيَّن غير قاض حقيقة لِكُلِّ واحد باسمه وعينه لعلَّة احتمال الخصوص بحكمه، وإنَّ المفرد بذاته في هَؤُلاَءِ المذكورين كالمفرد في الكافَّة، وجب أن يكون ما شمل كُلَّ واحد من الكافَّة فهو شامل لِكُلِّ أحد من الخَاصَّة، كَقَولِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الأعراف: 152]، فَهَذَا خارج منه من تاب من ذَلِكَ. وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً اَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس: 13]، إلى قوله: ﴿بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [سورة يس: 19]، وَهَذَا أَيضًا خارج منهم من آمن وأسلم. وَكَذَلِكَ قوله: ﴿إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٍ﴾ [سورة آل عمران: 21]، وقوله: ﴿اِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [سورة الفتح: 10]، وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة: 44]، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [سورة المائدة: 45]، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة: 47].
فَهَذِهِ الآيات داخلة عَلَى كُلِّ واحد من السابقين منهم كدخولها عَلَى التابعين وَعَلَى سائر الأُمَّة عَلَى التعيين، لاحتمال خطاب القرآن فيه الخصوص والعموم.
وَكَذَلِكَ قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة: 27]،