كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

باب: في فضل الصحابة هل يمنع من البراءة من المحدثين منهم بحكم الظاهر؟

الجزء ١ · صفحة ٢٥٠

<250> في الولاية والبراءة، فتفضيل صحابي [من] الصحابة عَلَى من سواهم من الأُمَّة إِنَّمَا هو بالسابقة والاستقامة الصادقة، وَذَلِكَ لقيامهم بدين الله حيث قلَّ أنصاره، وتصديقهم به حين غلب إنكاره، وَإِنَّمَا وقع التفضيل بعد وجوب الولاية، فَهَؤُلاَءِ أولياء استقاموا عَلَى الدين، منهم من سابق وسارع، ومنهم من تأخَّر، والمسارع أفضل، مع الثبوت عَلَى ما سيأتي دَلِيله إن شاء الله.

وَأَمَّا قوله: وعلمهم بالمحكم والمتشابه في التأويل، فمعلوم أَنَّ التأويل لأمر (1) يَخْتَصُّ بالأولياء عَلَى الحقيقة، فيكون شاهدا لقائله عَلَى السعادة، وَإِنَّمَا رجع في تأويل التنزيل إليهم لعلمهم بلغة العرب، فهم به أعرف، ولمعانيه أوصف، وأعلم فيمن نزل، وأين نزل، ومتى نزل؛ وَلِذَلِكَ صار صالحوهم أفضل صالحي الأُمَّة، وإن كان قيل في الرواية عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الشهيد في آخر الزمان بسبعين رجلا من شهداء بدر، وبسبعين ألف شهيد من غير شهداء بدر». وعنه - عليه السلام - أَنَّهُ قال: «المتمسِّك بسنَّتي عند فساد أُمَّتِي بسبعين رجلا من صحابتي». وعندي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الإسلام مختفيا والكفر ظاهرا، وأهله قاهرون [كذا]، كان السابق إلى نصرته والتصديق بجملته أعظم ثوابا وأجرا، وأجلَّ قدرا وذكرا مِمَّن جاء من بعده، وقد ظهر وكثر أعوانه، وَاسْتَقَرَّ مكانه، ثُمَّ لَمَّا أن رجع إلى الاختفاء، وقلَّ أهل الوفاء، وكثر ذوو المناكر المعروفون بالخيانة، المخطوب لهم عَلَى المنابر، رجع فضل التمسُّك به عند نبذ الناس له، وجحدهم فضله إلى ما كان عَلَيْهِ في أَوَّل الإِسلاَم. وأفضل من ذَلِكَ المعنى أَنَّ التمسك به الآن [في الأَصْلِ: «اللن»] تصديقه بالغيب أكثر، وإيثاره للأدلَّة أكبر؛ لأَنَّ أولئك شاهدوا الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم وصحبوه والوحي ينزل إِلَيْهِ. وَهَذَا سبب التفضيل، والحكمة الواضحة في هَذَا التفصيل، جعلنا الله مِمَّن علم وعمل وعلَّم فسلم، بمنِّه وكرمه.

وَأَمَّا قوله: وعنهم صدر الإجماع. وَأَمَّا صدور الإجماع عنهم في بعض الأحكام فليس فيه ما يوجب لهم السعادة في الآخرة قطعا بيوم تجزى [فيه] كُلُّ نفس بما تسعى، بل ذَلِكَ حكم الله عَزَّ وَجَلَّ، يقيم له من يقيم به من خليقته ولو لم يعمل القائم له به في سريرته، فليس كُلُّ قائم له في حكم الظاهر محكوما له بقيامه به في السرائر، ذَلِكَ غيب طواه الله عن العباد، وستره عنهم إلى يوم التناد.

ثُمَّ إِنَّهُم إِنَّمَا كانوا حجَّة في الإجماع فقد انخزلوا عن الحجَّة عند الاختلاف والتنازع لمفارقتِهِم ما به كانوا حجَّة، و تنكُّبِ (2) سبيل المحجَّة، وَإِنَّمَا كانوا إِنَّمَا استحقُّوا الرضا والرضوان بما ظهر لهم من السابقة والفضيلة والإيمان، فأحرى وأجدر أن ينخزلوا عن تلك الدرجة الرفيعة باقترافهم الأمور الشنيعة، فَإِنَّ الأمور بخواتمها أليق، وبأواخرها أوجب وأحقُّ، إِلاَّ أن يخرجهم منها كِتَاب أو سنَّة يرفعها (3) صادق عن صادق، وَإِلاَّ فالأحكام فيهم وفي الناس سواء، لا ينبغي الميلولة إلى أحد

(1) الكلمة غير واضحة يمكن أن تُقرأ: «لا مم». وفي كلا الاحتمالين يبقى المعنى غامضا، ولعلَّ الصواب: «والتأويل لا يختصُّ … » الخ.

(2) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "وتنكب" هو اسم معطوف عَلَى "لمفارقتهم"».

(3) فِي الأَصْلِ: «يرفها»، وعلَّق الثميني في الحاشية: «لعلَّه: يعرفها».

٣٤ / ٥٣