كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

فصل فنقتصر من الكلام في هَذِهِ الآيات على معنيين

الجزء ١ · صفحة ٢٥٢

<252> يقين لا يجوز العدول عنه إِلاَّ بيقين عَلَى الحقيقة.

فإن قال قائل: ما تنكر أن تكون هَذِهِ المعاني اجتمعت في المهاجرين والأنصار فلا يكون في ذَلِكَ تناقض الآي ولا اختلافها؛ لأَنَّهُ يحتمل أَنَّهُم كانوا فقراء، وَأَنَّهُم كُلُّهُم سابقون، وَأَنَّهُم جميعا اتَّبَعوه في ساعة العسرة؟

قيل له: الاحتمال لا يدفع حكم الظاهر، فمتى لم نَتَبَيَّنْ بظاهر الكِتَاب بحقيقة فليس من الحقيقة التي تدفع حكم الظاهر.

ثُمَّ ما الذي يُحوِج إلى الحكم بالاحتمال حَتَّى يجعل المتشابه محكما؟ فإن قال: قد صَحَّ ذَلِكَ قطعا، قلنا له: من أين صَحَّ والشهرة غير قاضية، فنحن لا نصل إلى ذَلِكَ إِلاَّ بظاهر الكِتَاب أو إجماع الأُمَّة، فظاهر الكِتَاب مختلف الأَدِلَّة لاختلاف المعاني في المطلق والمقيَّد، وإجماع الأُمَّة معدوم، بل الاختلاف قد صَحَّ في بعضها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

عَلَى أَنَّ هَذِهِ الآيات إن خصَّت كُلُّ آية فريقا من الناس مُعَيَّنين فيُحتمل فيهم الخصوص والعموم عَلَى ما قَدَّمنا ذكره، وما احتمل فلا يسع القطع به في أخبار الغيوب إِلاَّ بتوقيف عن علاماتها بكتابه وَعَلَى لسان رسول من رسله بلفظ يرفع احتمال الخصوص، ويقضي بالعموم، كيف لنا بِذَلِكَ وهو يقول سُبْحَانَهُ: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة هود: 119]، فأخبر أَنَّهُ يملأها، وَأَنَّهُ يملأها منهم أجمعين، فأكَّدها بـ «أَجْمَعِينَ»، والإجماع أَنَّهَا مردودة إلى قَوله تَعَالىَ: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمُ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة ص: 85]، فلولا الإجماع عَلَى رَدِّ هَذَا العموم إلى الخصوص لَمَا كان في اللفظ دَلِيل عَلَى التخصيص. إِلاَّ أن يكون في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا﴾ [سورة مريم: 71 - 72]، وَإِلىَ قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [سورة هود: 105 - 108]، وقوله: ﴿إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتَ اَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 101 - 102]؛ فَهَذِهِ الآيات أخرجت بعض ما دخل في الآية الأخرى التي قَدَّمنا ذكرها، لاسيما وهو يقول: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾، وقد قال في آية أخرى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [سورة ق: 30]، فَهَذَا إخبار عن سعتها، وإن كان ظاهره دَالاًّ عَلَى أَنَّهَا غير مملوءة، وَالله أعلم بتأويله كِتَابه، وأحكام خطابه، ففيه الحقيقة والمجاز، والخصوص والعموم، والمحكم والمتشابه، والمطلق والمقيَّد.

ولا يجوز الحكم عَلَى شَيْء من ذَلِكَ بظنٍّ ولا قياس، وَإِنَّمَا يرجع في جميع ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ من تفسير الفقهاء وأعلام الأُمَّة من إجماع واختلاف بدين أو رأي، ليس لمن جاء من بعد أن يطعن في إجماع، أو يسوِّغ في اختلاف، فيردُّه إلى اختلاف رأي، ولا يضيِّق في اختلاف الرأي فيقضي فيه بتخطئة بالاقتداء (1) بالسلف أوجب من غير تقليد فيما ظهر دَلِيله من كِتَاب أو سنَّة أو إجماع، فَإِنَّمَا التقليد في موضعين:

- أحدهما: تقليد الحاكم للشهود الظاهر عدالتهم فيما شهدوا فيه من الحدود والحقوق، كانوا صادقين في سريرتهم أو غير صادقين. وتقليد الرعيَّة للحاكم اللازم لهم، فنقو لحكمه [كذا] كان عادلا

(1) كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فالاقتداء».

٣٦ / ٥٣