كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

فصل [خلاصة رأي الإباضيَّة في الخلفاء الراشدين ومعاوية]

الجزء ١ · صفحة ٢٥٥

<255> من خطإ أحد الفريقين، إِمَّا أن يكون عليٌّ (1) هو الإمام، وهو صاحب الإجماع، فيكون طلحة والزبير مخطئين مخالفين للإجماع، ثُمَّ يكون عثمان هو الذي خلعه الإجماع؛ لأَنَّ الإجماع قد خطَّأ من طلب بدمه، وزعم أَنَّهُ قتل مظلوما، أو يجعل عثمانا هو صاحب الإجماع، فيكون عليٌّ ومن شايعه من الصحابة هم المخطئون؛ لأَنَّهُم خطَّأوا من طلب بدمه، وحاربوهم وقتلوهم. وَهَذَا القدر كافٍ في تخطئة أحد الفريقين عند من نصح لنفسه، فلا يحتاج إلى ذكر أحداث عثمان التي استوجب بها العزل.

وَكَذَلِكَ عندنا أمر عليٍّ ومعاوية، والصحيح معنا أَنَّ عليًّا كان هو المحقُّ قبل التحكيم، وهو صاحب الإجماع في وقعة الجمل وحرب صفِّين، وَإِنَّمَا كان محاربوه بغاةً خارجين من الإجماع، لازم لهم محاربتهم حَتَّى تفيء إلى أمر الله، كما قَالَ الله تَعَالىَ: ﴿فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الحجرات: 9]، لا غاية لِذَلِكَ إِلاَّ الإفاءة، فَلَمَّا ترك عليٌّ حرب معاوية بغير إفاءة، وركن إلى الحكومة خلعا للإمامة، وتحكيما فيها مع رفضها، والتسوية بينها وبين ما ادَّعاه معاوية من الإمارة، ثبت المسلمون عَلَى محاربة أهل البغي حَتَّى تفيء إلى أمر الله، وتمسَّكوا بالإجماع الْمُتَقَدِّم؛ لأَنَّهُ لم يُحدِث عندهم ما ينقضه. وانخزل عليٌّ ومن شايعه عن ذَلِكَ الإجماع برفضهم له، وتركهم لمحاربة أهل البغي، وصار من ثبت عَلَى ذَلِكَ السبيل مستقيما عَلَى سبيل من مضى عَلَيْهِ من جماعتهم، ومن خالفه وشكَّ فيه فهو خارج من سبيل جماعتهم، فهل أوضح من هَذَا حَقًّا أو باطلا أَيُّهَا المسلمون؟!.

فإن قيل: إِنَّ عليًّا كان مخصوصا بالنظر والاجتهاد للأمَّة، فكان اتِّبَاعه أولى وأحقَّ؛ لأَنَّهُ تأوَّل ذَلِكَ، وأراد بِذَلِكَ الحيلة عَلَى عدوِّه.

قيل له: ذَلِكَ يسوغ فيما لم يأت فيه نصٌّ، وَأَمَّا ما أتى فيه نصٌّ فلا حظَّ للنظر مع النصِّ. ثُمَّ إِنَّهُ إن كان واسعا له ذَلِكَ فما كان له تحكيم عمرو وهو حرب له يدين بتخطئته وبطلان إمامته. ثُمَّ إن كان واسعا له ذَلِكَ فكان يجب عَلَيْهِ الوفاء بعهده من قبول ما حكما به عَلَيْهِ.

فإن قيل: إِنَّ الحكمين اختلفا فكيف يلزم الوفاء؟

قيل له: الحكمان قد اجتمعا عَلَى خلعه، وَإِنَّمَا اختلفا في إمامة معاوية، فلا يجد بدًّا من تصويب أحد الفريقين عَلَى عليٍّ ومن خالفه من أصحابه في التحكيم، فهنالك يَتَبَيَّنُ المحقُّ من المبطل، ولولا أَنَّ عندي في المعاريض تحقُّق هَذِهِ المعاني لأشبعت القول فيها بما يأتي عَلَى جملتها كشفا وتصريحا، لَكِنِّي اقتصرت عَلَى نفي ولاية أحد بعينه من المهاجرين والأنصار عَلَى الحقيقة؛ فلذلك اكتفيت به فيما خرج عن ذَلِكَ بالتلويح دون التصريح، فيتأمَّل ذَلِكَ طالب الحقِّ ويتفهَّمه.

(1) فِي الأَصْلِ: «عليًّا».

٣٩ / ٥٣