باب: آية ثالثة [وصف الصدق لا ينطبق على كلِّ المهاجرين بأعيانهم]
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠<260> الدين؛ فَهَذِهِ الآية قد دخلها الخصوص عَلَى ما بَيَّنَاه.
ثُمَّ إِنَّهَا إن كان فيها ثناء وإيجاب صدق المهاجرين فظاهر الخطاب فيها مقيَّد بالفقراء، وقد قيل: إِنَّهُم كانوا نحو مائة رجل، فَذَلِكَ دَلِيل التخصيص في المهاجرين، ومن الذي يقطع بالحقيقة أَنَّ المحدثين الذين استوجبوا البراءة في حكم الظاهر كانوا من هَؤُلاَءِ الفقراء عَلَى المعنيين؟.
وَإِنَّمَا اقتصرنا عَلَى تخصيص المهاجرين في أكثر كلامنا من حيث إِنَّ التنازع إِنَّمَا وقع في المحدثين المشهورين، وهم في الظاهر من المهاجرين في الجملة.
فإن قال قائل: إِنَّ الغنيمة والفيء قسمهما رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى فريق معيَّنين، فيجب أن يحكم بالثناء والصدق لأولئك الذين وقع القسم عَلَيْهِم بالتعيين، لتعيينهم في القسم.
قلنا: ذَلِكَ إِنَّمَا توجَّه إِلَيْهِم عَلَى فعل مُعَيَّن، وهي الهجرة، فالرضا راجع إلى ذَلِكَ السبيل، وَإِنَّمَا استحقَّه المتمسِّك به وهو عَلَى التفضيل للهجرة والحثِّ عَلَيْهَا، والترغيب فيها، والتعريف للمسلمين بفضل أهلها، ثُمَّ الاستقامة والثبوت فرض عَلَيْهِم، فغيرهم لم يرتفع ذَلِكَ عنهم بموجب هَذِهِ الآية، فمحال أن يموت من هَؤُلاَءِ أحد يلقى الله مصرًّا عَلَى معصية ثُمَّ يدخل إلى الجَنَّة، فيكون هو ومن استقام عَلَى الحقِّ إلى أن مات ولقي الله سواءً، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [سورة ص: 27].
فإن قال: هَؤُلاَءِ معلوم بهذا الثناء أَنَّهُم لا يفارقون الدنيا ويلقون الله مصرِّين عَلَى معصية، بل محكوم لهم أَنَّهُم وإن فارقوا ذَلِكَ فلن يموتوا إِلاَّ تائبين منه.
قلنا: هَذَا لا شَكَّ عندنا فيمن صَحَّت عندنا سعادته بعينه، وَأَمَّا من لم يستَحقَّ ذَلِكَ إِلاَّ بدخول في جملة استحقَّ أهلها الرضا عَلَى ظاهر فضيلة، والقيام بسبيل، فلا يَصِحُّ له حكم إِلاَّ بالقياس والتنزيل، وَذَلِكَ مِمَّا لا ينبغي القطع به عَلَى محتمل الخصوص، فقد قَدَّمنا عَلَى محتمل الخصوص فيما مضى ما يغني عن إعادته. فليس سبيل قسم الفيء عَلَيْهِم سبيل الشهادة بالقطع لهم بالسعادة، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قسم لهم ولم يشعر لهم شهادة بالجنَّة كما قسم لهم. فلو كان في ذَلِكَ لزوم شهادة بالتعيين لنبَّه عَلَيْهِ كما نبَّه عَلَى غيره من أمور الدين.
فإن قال: هَذَا معلوم بظاهره، فلا يحتاج من رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بيان.
قيل له: معلوم بظاهره عند كُلِّ سامع له ولو لم يعرف الفقراء والمهاجرين، أم إِنَّمَا ذَلِكَ عند من عرفهم؟ فإن قال: هَذَا عند كُلِّ سامع ولو لم يعرف الفقراء، فقد خرج من المعقول، ولا أظنُّه يقول ذَلِكَ. فإن قال: عند من سمع الخطاب وعرف أولئك، قلنا: فالولاية بالحقيقة هاهنا وجبت بظاهر الخطاب لا غير، أم وجبت بمعرفة المهاجرين، فإن قال: بتعيين الخطاب رجع إلى القول الأَوَّل، وهو أَنَّهُ حجَّة عَلَى كُلِّ سامع ولو لم يعرف المهاجرين، فلمن يشهد إذا لم يعرف المشهود لهم بأعيانهم؟. فإن قال: بشهرة، والفقر في حكم