كتاب العين (نسخة موقع الوراق) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي

بعد:

الجزء ١ · صفحة ٩٦

وعَبَدَ الطّاغوتِ، أرادوا: عبدة الطّاغوتِ مثل فَجَرَة وكَفَرَة، فطرح الهاء والمعنى في الهاء. وعابد الطّاغوتِ، كما تقول: ضاربُ الرّجلِ .

وعُبُدُ الطّاغوت، جماعة، لا يقال: عابد وعُبُدُ، إنما يقال عَبُودٌ وعُبُدٌ.

ويقال للمشركين: عَبَدَةُ الطّاغوت والأوثان، وللمسلمين: عُبّاد يعبدون الله.

والمسمَّى بعَبَدَةَ. و الجزم فيها خطأ، إنما هو عَبَدَة على بناء سَلَمة. وتقول: استعبدته وهو قريب المعنى من تعبّد إلاّ أنّ تعبّدته أخصّ، وهم العِبِدَّى، يعني جماعة العبيد الذين وُلدوا في العُبُودة، تعبيدة ابن تعبيدة، أي: في العُبُودةُ إلى آبائه.

وأَعْبَدَني فلاناً، أي مَلَّكَني إياه.

وبعيرٌ مُعَبَّدٌ: مهنوء بالقَطِران،وخلّي عنه فلا يدنو منه أحد. قال:

وأُفْرِدْتُ إفرادَ البعيرِ المعبّد

وهو الذّلول أيضاً، يوصف به البعير.

والمعبّد: كلّ طريق يكثر فيه المختلفة، المسلوك. والعَبَدُ: الأنفة والحميّة من قول يُسْتَحْيَ منه، ويُسْتَنْكَفُ. ومنه: " فأنا أول العابدين " أي: الأنفين من هذا القول، ويُقْرَأ العَبِدِينَ، مقصورة، على عَبِدَ يَعْبَدُ. ويقال: فأنا أول العابدين أي: كما أنه ليس للرحمن ولد فلست بأوّل من عَبَدَ الله مِنْ أهلِ مكّة.

ويروى عن أمير المؤمنين أنّه قال: " عَبِدْتُ فَصَمَتُّ " أي: أنِفْتُ فَسَكَتُّ. قال:

ويَعْبَدُ الجاهل الجافي بحقّهم … بعد القضاء عليه حين لا عَبِد

والعباديدُ: الخيل إذا تَفَرَّقَتْ في ذهابها ومجيئها، ولا تقع إلا على جماعة، لا يُقالُ للواحد: عِبْدِيد. ألا ترى أنك تقول: تفرّقت فهي كلّها متفرّقة، ولا يقال للواحد متفرّق، ونحو ذلك كذلك مما يقع على الجماعات فافهم. تقول: ذهب الخيل عباديدَ، وفي بعض الكلام عبابيد. قال الشمّاخ:

والقَوْمُ أتُوكَ بَهْزٌ دون إخوتِهِمْ … كالسّيْلِ يركَبُ أطرافَ العبابيد

والعباديدُ: الأطرافُ البعيدة و الأشياء المتفرقة، وكذا العبابيد.

دعب:

الدِّعابَةُ من المِزاح والمُضاحكة. يُداعبُ الرّجل أخاه شبه المزاح. تقول: يَدْعَبُ دَعْباً إذا قال قولا يستملح. قال:

واستطربت ظَعْنُهُمْ لمّا احزألّ بهم … مع الضُّحى ناشِطٌ من داعباتِ ددِ

رواه الخليل بالباء وقد روي بالياء، يعني اللواتي يَدْعَبْنَ بالمزاح ويُدَأدِدْنَ بأصابعهنّ، ويروى: داعب دَدَد، يجعله نعتاً للدّاعب، ويسكعه بدالٍ أُخرى ثالثة ليتمّ النَّعْت، لأن النعت لا يتمكّن حتى يصير ثلاثة أحرف، فإذا اشتقوا من ذلك فِعلاً أدخلوا بين الدّالَيْنِ همزة لتستمرّ طريقة الفعل، ولئلاّ تثقل الدّالات إذا اجتمعْنَ، فيقولون: دَأْدَدَ يُدَأْدِدُ دَأْدَدَةً، وعلى ذلك القياس: قال رؤبة:

يُعِدُّ دأداً وهديراً زَعْدَبا

بَعْبَعَةُ مرّاً ومرّاً بأْبَبَا

أخبر أنه يقرقر فيقول: بب بب، وإنما حكى جرساً شِبْه بَبَبْ فلم يستقم في التصريف إلا كذلك، قال الراجز:

يسوقُها أعيسُ هدّارٌ بَبِبْ

إذا دعاها أقبلتْ لا تَتّئِبْ

أي: لا تستحي، ونحو ذلك كذلك من الحكايات المتكاوسة الحروف بعضها على بعض، وقلّما هي تستعمل الكلام.

والدّاعب: اللاّعب أيضاً. والدُّعْبُوبُ: الطريق المذلّل يسلكه الناس. و الدُّعْبُوبُ: النشيط. قال:

يا ربّ مُهْرٍ حَسَنٍ دُعْبُوبِ

رَحْبِ اللَّبَانِ حَسَنِ التَّقْريبِ

بعد:

بعد خلاف شيء وضدّ قبل، فإذا أفردوا قالوا: هو من بعدُ ومن قبلُ رفع، لأنّهما غايتان مقصود إليهما، فإذا لم يكن قبل وبعد غاية فهما نصب لأنهما صفة.

وما خلف يعقبه فهو من بعده. تقول: أقمتُ خلافَ زيدٍ أي: بعد زيد. قال الخليل: هو بغير تنوين على الغاية مثل قولك: ما رأيته قطّ، فإذا أضفته نصبت إذا وقع موقع الصفة، كقولك: هو بعدَ زيد قادم، فإذا ألقيت عليه مِنْ صار في حدّ الأسماء، كقولك: مِنْ بَعْدِ زيد، فصار من صفة، وخفض بعد لأن مِنْ حرف من حروف الخفض، وإنما صار بعد منقاداً لِمِنْ، وتحوّل من وصفيّته إلى الاسميّة، لأنه لا تجمع صفتان، وغلبه من لأنّ مِنْ صار في صدر الكلام فغلب.

٩٦ / ٧١٦