شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

التنبيه الحادي عشر من خاف الله لم يشف غيظه

الجزء ٣٣ · صفحة ٤٠٩

وَافٍ لَكَ بِمَا وَعَدَكَ } ، فَكَانَ مَقَامُ الصِّدِّيقِ مَقَامَ الثِّقَةِ بِوَعْدِ اللَّهِ ، وَمَقَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامَ الْخَوْفِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ لِكَمَالِ مَعْرِفَتِهِ بِأَسْرَارِ اللَّهِ وَخَفَايَا أَفْعَالِهِ وَمَعَانِي صِفَاتِهِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْ بَعْضِهَا بِالْمَكْرِ مَعَ أَنَّ وَفَاءَهُ قَدْ يَكُونُ مُعَلَّقًا بِالْمُنَاشَدَةِ وَأَسْبَابُ الرَّجَاءِ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ وَأَسْبَابُ الْغَفْلَةِ رَحْمَةٌ عَلَى عَوَامِّ الْخَلْقِ ، إذْ لَوْ انْكَشَفَ الْغِطَاءُ لَزَهَقَتْ النُّفُوسُ وَتَقَطَّعَتْ الْقُلُوبُ مِنْ خَوْفِ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ، قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : لَوْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ عَرَفْتُهُ خَمْسِينَ سَنَةً بِالتَّوْحِيدِ أُسْطُوَانَةٌ فَمَاتَ لَمْ أَقْطَعْ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ لِأَنِّي لَا أَدْرِي مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ التَّقَلُّبِ .

وَعَنْ بَعْضِهِمْ لَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى بَابِ الدَّارِ وَالْمَوْتُ عَلَى الْإِسْلَامِ عِنْدَ بَابِ الْحُجْرَةِ لَاخْتَرْتُ الْمَوْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِأَنِّي لَا أَدْرِي مَا يَعْرِضُ لِقَلْبِي بَيْنَ بَابِ الْحُجْرَةِ وَبَابِ الدَّارِ ، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا أَحَدٌ آمَنُ عَلَى إيمَانِهِ أَنْ يُسْلَبَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ إلَّا سُلِبَهُ ، وَلَمَّا اُحْتُضِرَ سُفْيَانُ جَعَلَ يَبْكِي وَيَجْزَعُ فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْكَ بِالرَّجَاءِ فَإِنَّ عَفْوَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذُنُوبِكَ ، فَقَالَ : أَوْ عَلَى ذُنُوبِي أَبْكِي ، لَوْ عَلِمْتُ أَنِّي أَمُوتُ عَلَى التَّوْحِيدِ لَمْ أُبَالِ بِأَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِأَمْثَالِ الْجِبَالِ مِنْ الْخَطَايَا وَأَوْصَى بَعْضُ الْخَائِفِينَ بَعْضَ إخْوَانِهِ : إذَا حَضَرَتْنِي الْوَفَاةُ فَاقْعُدْ عِنْدَ رَأْسِي فَإِنْ رَأَيْتَنِي مِتَّ عَلَى التَّوْحِيدِ فَخُذْ جَمِيعَ مَا أَمْلِكُهُ فَاشْتَرِ بِهِ لَوْزًا وَسُكَّرًا وَانْثُرْهُ عَلَى صِبْيَانِ الْبَلَدِ ، وَقُلْ عِنْدَ ذَلِكَ : هُوَ عُرْسُ الْمُنْقَلِبِ .

وَإِنْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ التَّوْحِيدِ فَأَعْلِمْ النَّاسَ حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا بِحُضُورِ جِنَازَتِي لِيَحْضُرْ جِنَازَتِي مَنْ أَحَبَّ عَلَى بَصِيرَةٍ لِئَلَّا

١٦٬٤٠٩ / ١٧٬٤٣٨