شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

التنبيه الحادي عشر من خاف الله لم يشف غيظه

الجزء ٣٣ · صفحة ٤١٠

يَلْحَقَنِي الرِّئَاءُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، قَالَ : وَبِمَ أَعْلَمُ ذَلِكَ ؟ فَذَكَرَ لَهُ الْعَلَامَةَ ، فَرَأَى عَلَامَةَ التَّوْحِيدِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، فَاشْتَرَى السُّكَّرَ وَاللَّوْزَ وَفَرَّقَهُ وَكَانَ سَهْلٌ يَقُولُ : الْمَرِيدُ يَخَافُ أَنْ يُبْتَلَى بِالْمَعَاصِي ، وَالْعَارِفُ يَخَافُ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكُفْرِ ، وَكَانَ أَبُو زَيْدٍ يَقُولُ : إذَا تَوَجَّهْتُ إلَى الْمَسْجِدِ كَأَنَّ فِي وَسَطِي زُنَّارًا أَخَاف أَنْ يَذْهَبَ بِي إلَى الْبَيْعَةِ أَوْ بَيْتِ النَّارِ حَتَّى أَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَيَنْقَطِعَ عَنِّي الزُّنَّارُ فَهَذَا دَأْبِي كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ .

وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ أَنْتُمْ تَخَافُونَ الْمَعَاصِيَ وَنَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ نَخَافُ الْكُفْرَ وَشَكَا نَبِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْجُوعَ وَالْقَمْلَ وَالْعُرْيَ سِنِينَ وَكَانَ لِبَاسُهُ الصُّوفَ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ : عَبْدِي ، أَمَا رَضِيتَ أَنْ عَصَمْتُ قَلْبَكَ أَنْ تَكْفُرَ بِي حَتَّى تَسْأَلَنِي الدُّنْيَا ؟ فَأَخَذَ التُّرَابَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ : بَلَى يَا رَبِّ رَضِيتُ فَاعْصِمْنِي مِنْ الْكُفْرِ وَذَلِكَ كَالشِّرْكِ وَالْبِدْعَةِ وَالْكِبْرِ وَقَدْ اشْتَدَّ خَوْفُ الصَّحَابَةِ مِنْ النِّفَاقِ كَمَا مَرَّ عَنْ عُمَرَ ، وَعَنْ الْحَسَنِ : لَوْ عَلِمْتُ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ النِّفَاقِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَأَرَادُوا بِالنِّفَاقِ كَبَائِرَ دُونَ الشِّرْكِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ خَالِصٌ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ فَفِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ﴾ .

وَرُوِيَ : ﴿ وَإِذَا عَهِدَ غَدَرَ ﴾ وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : إنِّي أَخَاف عَلَى نَفْسِي النِّفَاقَ ، وَقَالَ : لَوْ كُنْتُ مُنَافِقًا لَمَّا خِفْتُ النِّفَاقَ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ ،

١٦٬٤١٠ / ١٧٬٤٣٨