شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل من الفروض ما لا يصح أداؤه إلا بالشك

الجزء ٣٤ · صفحة ٢٥

( وَلَا يُظَنُّ بِمُسْلِمٍ ) حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ ، مَعْصُومٍ أَوْ غَيْرِ مَعْصُومٍ ( سُوءٌ ) صَغِيرَةٌ أَوْ نِفَاقٌ أَوْ شِرْكٌ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ أَوْ اقْتِصَارٍ فِي اجْتِهَادٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ ﴾ الْآيَةَ .

﴿ لَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ الْآيَةَ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ﴾ ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْحَزْمِ وَالْغَدْرِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِالنَّاسِ مُطْلَقًا غَيْرَ الْمَعْصُومِ فَمَعْنَاهُ عَدَمُ الِاسْتِيثَاقِ بِالنَّاسِ وَتَرْكُ التَّحَرُّزِ وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَنْ يَظُنُّ خَيْرًا كَانَ مُجْتَهِدًا فِي الْمَكْرِ بِهِ فَمَعَ ظَنِّهِ الْخَيْرَ بِالْمُسْلِمِ يَعْلَمُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ أَنْ يَتَحَوَّلَ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ فَيُعْطِيهِ حُقُوقَهُ وَيَعْمَلُ مَعَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَرَادَ بِهِ سُوءًا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِ .

قَالَ بَعْضٌ : أَشَدُّ عَدَاوَةً لَكَ أَقْرَبُ رَجُلٍ وَثِقْتَ بِهِ فَخُذْ حِذْرَكَ مِنْ النَّاسِ وَاصْحَبْهُمْ بِالْخَدِيعَةِ وَالْمَكْرِ ، أَيْ بِصِفَةٍ لَوْ أَرَادُوا الْمَكْرَ لَكَ وَالْخَدِيعَةَ لَوَجَدُوكَ قَدْ أَعْدَدْتَ لَهُمْ مَا لَا يَصِلُونَ مَعَهُ إلَيْكَ ، قَالَ : وَلَا تَرْكَنْ إلَى أَحَدٍ ، فَمَنْ وَثِقْتَ بِهِ أَوْ ظَنَنْتَ أَنَّهُ صَدِيقُكَ كَانَ أَشَدَّ عَدَاوَةٍ لَكَ مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ ، وَيَدُلُّ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ وَيَحْذَرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَلَى شَرٍّ لَأَحَدٍ وَلَا ختلة ﴾ ، قَالَ صَاحِبُ لَامِيَّةِ الْعَجَمِ " : أَعْدَى عَدُوِّكَ أَدْنَى مَنْ وَثِقْتَ بِهِ فَحَاذِرِ النَّاسَ وَاصْحَبْهُمْ عَلَى خَتْلِ فَإِنَّمَا رَجُلُ الدُّنْيَا وَوَاحِدُهَا مَنْ لَا يُعَوِّلُ فِي الدُّنْيَا عَلَى رَجُلِ

١٦٬٥٢٥ / ١٧٬٤٣٨