شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل من الفروض ما لا يصح أداؤه إلا بالشك

الجزء ٣٤ · صفحة ٢٦

وَحُسْنُ ظَنِّكَ بِالْأَيَّامِ مُعْجِزَةٌ فَظُنَّ شَرًّا وَكُنْ مِنْهَا عَلَى وَجَلِ قَالَ الشَّارِحُ : أَشَدُّ عَدَاوَةً لَكَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِكَ هُوَ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْكَ مِنْ أَصْدِقَائِكَ وَأَدْنَى مَنْ وَثِقْتَ بِهِ مِنْ أَحْبَابِكَ وَمَنْ أَفْشَيْتَ إلَيْهِ سِرَّكَ مِنْ خِلَّانِكَ ، فَخُذْ حَذَرَكَ مِنْ النَّاسِ كَافَّةً ، وَاحْتَرِزْ مِنْ الْعَامَّةِ مِنْهُمْ وَالْخَاصَّةِ وَصَاحِبْهُمْ بِحُسْنِ الْمُدَارَاةِ وَالْخُلُقِ الْحَسَنِ وَالرِّفْقِ ، وَدَاخِلْهُمْ مُخَادِعًا لَهُمْ حَامِلًا لَهُمْ بِأَخْلَاقِهِمْ مُتَّبِعًا لِأَحْوَالِهِمْ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِخِلْبِ لِسَانٍ أَوْ تَثِقَ بِقَلْبِ إنْسَانٍ أَوْ تَرْكَنَ إلَى صَدَاقَةِ صِدِّيقٍ أَوْ شقاشق شَقِيقٍ ، أَوْ تُشَيِّمَ صَفَحَاتِ الْأَخِلَّاءِ فَإِنَّهَا تَهْمِي بِكَدِرٍ ، أَوْ تَنْخَدِعَ بِنَسِيمِ أَنْفَاسِ الْأَعْدَاءِ فَإِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ ، وَعَلَيْكَ بِالِاحْتِرَاسِ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِكَ وَالِاحْتِرَازِ وَلَوْ مِنْ نَفْسِكَ .

قَالَ أَبُو فِرَاسٍ : وَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتَهُمْ وَلَا الدَّهْرُ بِالدَّهْرِ الَّذِي كُنْت تَعْرِفُ وَيُقَالُ : كُلُّ قَرِيبٍ لَكَ عَلَيْكَ رَقِيبٌ ، يَوَدُّ أَنْ تُقْبَرَ عَنْ قَرِيبٍ ، وَلَدُكَ يَقُولُ : مَالُكَ إرْثِي ، وَأَخُوكَ يَقُولُ : مَالُكَ إرْثِي ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ الْحَزْمُ سُوءُ الظَّنِّ بِالنَّاسِ ﴾ ، أَيْ عَدَمُ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ ، قَالَ الشَّاعِرُ : مَنْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِأَحْبَابِهِ كَرَمًا تَجَرَّعَ الْهَمَّ مِنْهُمْ بِلَا كَاسِ وَقِيلَ لِمُعَاوِيَةَ : مَا بَلَغَ مِنْ عَقْلِكَ ؟ قَالَ : مَا وَثِقْتُ بِأَحَدٍ قَطُّ ، قَالَ الشَّاعِرُ : لَا تَرْكَنَنَّ إلَى هَذَا الزَّمَانِ وَلَا أَبْنَائِهِ أَبَدًا وَاسْتَعْمِلْ الْحَذَرَا فَإِنْ أَبَيْتَ فَجَرِّبْ مَنْ تُعَاشِرُهُ حَتَّى يَقُولَ لَكَ التَّجْرِيبُ كَيْفَ تَرَى وَكَانَ فَتًى يَقُولُ : مَنْ يَشْتَرِي ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ ، وَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِكِسْرَى فَأَحْضَرَهُ وَسَأَلَهُ عَنْهَا ،

١٦٬٥٢٦ / ١٧٬٤٣٨