باب في أركان الدين
الجزء ٣٤ · صفحة ١٥٥وَيُظْهِرُ لَهُ الْمَحَبَّةَ فَالْتَفَتَ إلَيْهِ الصَّبِيُّ وَقَالَ : إلَى مَتَى هَذَا النِّفَاقُ الَّذِي يَظْهَرُ لِي ؟ فَقَالَ : قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنِّي صَادِقٌ فِيمَا أُورِدُهُ حَتَّى لَوْ قُلْت لِي : مُتْ لَمُتُّ فَقَالَ : إنْ كُنْت صَادِقًا فَمُتْ .
قَالَ : فَتَنَحَّى الرَّجُلُ وَغَمَّضَ عَيْنَهُ فَوُجِدَ مَيِّتًا ، فَقَالَ بَعْضٌ : كَانَ فِي جِيرَانِنَا رَجُلٌ لَهُ جَارِيَةٌ يُحِبُّهَا غَايَةَ الْحُبِّ فَاعْتَلَتْ الْجَارِيَةُ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُصْلَحُ لَهَا حَيْسًا ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَرِّكُ الْقِدْرَ إذْ قَالَتْ الْجَارِيَةُ : آهْ ، فَدَهَشَ الرَّجُلُ وَسَقَطَتْ الْمِلْعَقَةُ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَ يُحَرِّكُ مَا فِي الْقِدْرِ بِيَدِهِ حَتَّى سَقَطَتْ أَصَابِعُهُ ، فَقَالَتْ الْجَارِيَةُ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا مَكَانُ قَوْلِكِ آهْ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ : رَأَيْت بِالْبَصْرَةِ شَابًّا عَلَى سَطْحٍ مُرْتَفِعٍ وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ يَقُولُ : مِنْ مَاتَ عِشْقًا فَلْيَمُتْ هَكَذَا ، لَا خَيْرَ فِي عِشْقٍ بِلَا مَوْتٍ ، ثُمَّ رَمَى نَفْسَهُ إلَى الْأَرْضِ فَحَمَلُوهُ مَيِّتًا ، فَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ وَنَحْوُهُ فِي حُبِّ الْمَخْلُوقِ فَكَيْفَ لَا يُمْكِنُ فِي حُبِّ الْخَالِقِ لِمَنْ رَأَى جَمَالَهُ بِالْبَصِيرَةِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي هِيَ أَصْدَقُ مِنْ الْبَصِيرَةِ الظَّاهِرَةِ ؟ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ ، وَمُنْتَهَى الْإِحْسَانِ رِضَى اللَّهِ عَنْ عَبْدِهِ وَهُوَ ثَوَابُ رِضَى الْعَبْدِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ ، وَيُرْوَى أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ : سَلُونِي فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَى وَرُوِيَ أَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لَهُمْ : سَلُونِي فَيَقُولُونَ : هَلْ فَوْقَ مَا أَعْطَيْتنَا شَيْءٌ ؟ فَيَقُولُ : " رِضَايَ ، فَإِنِّي أَرْضَى عَنْكُمْ وَلَا أَسْخَطُ عَنْكُمْ أَبَدًا " قَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ الْمَزِيدُ ثَلَاثُ تُحَفٍ :