شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في أركان الدين

الجزء ٣٤ · صفحة ١٦٨

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ ) إيمَانًا سَابِقًا مُسْتَمِرًّا رَاسِخًا فِي الْقَلْبِ أَوْ اسْتِحْضَارُهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ( مُذْهِبٌ لِلْهَمِّ وَالْحَزَنِ ) ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ فَقَدْ كَفَرَ ﴾ ( وَأَصْلُهُ ) ، أَيْ مَعْنَاهُ ، أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ لَفْظُ الْقَدَرِ ( انْتِهَاءُ ) ، أَيْ إنْهَاءُ ، فَعَبَّرَ بِاللَّازِمِ عَنْ الْمَلْزُومِ ، أَوْ بِالْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ ، ( الْأُمُورِ إلَى أَوْقَاتِهَا ) ، أَيْ إلَى أَوْقَاتِهَا الْمُقَدَّرَةِ لَهَا فِي الْأَزَلِ ( وَارْتِجَاعُهَا ) ، أَيْ إخْرَاجُهَا عَبَّرَ عَنْ الْمُطْلَقِ وَهُوَ مُجَرَّدُ الْإِخْرَاجِ إلَى الْوُجُودِ بِالْمُقَيَّدِ ، وَهُوَ الْإِخْرَاجُ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ إلَيْهِ مَرَّةً قَبْلُ ( لِمَقَارِّهَا ) ، أَيْ لِلْمَوَاضِعِ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ أَنْ يَقَعَ فِيهَا بَعْدَ الْأَزَلِ ، وَأَرَدْت بِالْمَوَاضِعِ مَا يَشْمَلُ الزَّمَانَ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَصْلَ الْقَدَرِ إيجَادُ الْأُمُورِ فِي الْخَارِجِ عَلَى طِبْقِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : انْتِهَاءُ الْأُمُورِ إلَى أَوْقَاتِهَا لَكَانَ أَوْلَى ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : وَأَصْلُهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ حَدٍّ لِلْقَدَرِ بَلْ شَيْءٌ يُتَصَوَّرُ بِهِ أَنْ يَعْتَقِدَ الْقَدَرَ وَيَتَكَلَّمَ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ انْتِهَاءَ الْأُمُورِ لَيْسَ هُوَ الْقَدَرَ .

وَإِنَّمَا هُوَ إنْهَاؤُهَا ، وَلَكِنْ إذَا انْتَهَتْ بِأَمْرِهِ فَإِنْهَاؤُهُ قَدَرٌ كَمَا تَقُولُ : أَصْلُ الضَّارِبِ اللَّمْسُ بِعُنْفٍ تَعْنِي أَنَّ تَسْمِيَتَهُ ضَارِبًا مَبْنِيَّةٌ عَلَى صُدُورِ ذَلِكَ اللَّمْسِ مِنْهُ أَوْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي بَعْضِ الِاصْطِلَاحِ ، وَهُوَ أَنَّ الْقَدَرَ هُوَ نَفْسُ ذَلِكَ الِانْتِهَاءِ وَفِي الضِّيَاءِ " : الْقَدَرُ الْخَلْقُ ، وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ اللَّهُ عَلَى الْمَقْدُورِ لَا عَلَى الْقَدَرِ ، وَالْقَدَرُ فِعْلُ اللَّهِ وَالْمَقْدُورُ فِعْلُ الْمَخْلُوقِ ، وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ الشَّافِعِيُّ : الْقَضَاءُ إيجَادُ الْكَائِنَاتِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ

١٦٬٦٦٨ / ١٧٬٤٣٨