باب في أركان الدين
الجزء ٣٤ · صفحة ١٧٢الْحَسَنِ : اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي الْقَدَرِ فَتَرَاضَيَا بِأَوَّلِ رَجُلٍ يَلْقَيَانِهِ ، فَلَقِيَا رَجُلًا فَسَأَلَاهُ فَقَالَ : الَّذِي جَعَلَ الشَّهْدَ فِي النَّحْلَةِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ السُّمَّ فِي الْحَيَّةِ ، وَلَقِيَ مُعْتَزِلِيٌّ نَصْرَانِيًّا فَقَالَ لَهُ : أَلَا تُسْلِمُ ؟ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ ، فَقَالَ : بَلْ أَرَادَ وَمَنَعَك الشَّيْطَانُ ، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ : أَنَا مَعَ أَقْوَاهُمَا ، وَقَدْ أَخْطَأَ الْمُعْتَزِلِيُّ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي مُلْكِ اللَّهِ مَا لَا يُرِيدُ ، فَإِنَّ مَنْ ضَلَّ فَاَللَّهُ أَضَلَّهُ وَمَنْ اهْتَدَى فَاَللَّهُ هَدَاهُ ، وَمَا إضْلَالُ الشَّيْطَانِ إلَّا وَسْوَسَةٌ ، وَإِضْلَالُ اللَّهِ خِذْلَانُهُ الْعَبْدَ ؛ بِكَسْبِهِ وَاخْتِيَارِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا يَأْتِينِي أَحَدٌ فَيُخَاصِمُنِي أَبْغَضُ إلَيَّ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْرَ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ أَمَا يَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ كُفَّارًا وَمُؤْمِنِينَ ، وَاخْتَصَمَ بَنُو إسْرَائِيلَ فِي الْقَدَرِ خَمْسَ مِائَةِ عَامٍ ثُمَّ انْتَهَوْا إلَى عَالِمٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالُوا لَهُ : صِفْ لَنَا الْقَدَرَ بِكَلَامٍ قَلِيلٍ نَفْهَمُهُ عَنْكَ ؛ فَقَالَ : حِرْمَانُ الْعَاقِلِ وَظَفَرُ الْجَاهِلِ .
وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ : قَدَّرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ ﴾ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَدَرَ وَالطَّلَبَ لَا يَتَنَافَيَانِ ، وَالتَّوْكِيلَ وَالْكَسْبَ لَا يَتَضَادَّانِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ الشَّيْءَ وَيَصِلُ إلَيْك بِالطَّلَبِ ، وَالطَّلَبُ أَيْضًا مُقَدَّرٌ ، وَالتَّوَكُّلُ فِي الْقَلْبِ ، وَالْكَسْبُ فِي الْجَوَارِحِ ، وَقِيلَ : وَمَنْ خَالَفَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَقَدْ وَافَقَهُمْ فِي الْعِلْمِ قُلْت : بَلْ بَعْضُ مَنْ خَالَفَهُمْ يَنْفِي عَنْ اللَّهِ الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ حَتَّى يَكُونَ ، وَهُوَ مَنْ أَضَافَ الْخَلْقَ لِفِعْلِهِ إلَى نَفْسِهِ ، وَلَعَلَّ الَّذِي وَافَقَهُمْ مَنْ لَا يَنْسِبُ الْخَلْقَ