شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الشكر

الجزء ٣٤ · صفحة ٣٣٤

وَجْهًا أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَمَالِ مَا يُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ أُنُوثَةٌ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ ارْتِفَاعُ الْقَامَةِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ مَعَ الِاعْتِدَالِ فِي اللَّحْمِ وَتُنَاسَبْ الْأَعْضَاءِ بِحَيْثُ لَا تَنْبُو الطِّبَاعُ عَنْ النَّظَرِ إلَيْهِ ، وَالصَّارِفُ عَنْ الشُّكْرِ الْجَهْلُ وَالْغَفْلَةُ عَنْ مَعْرِفَةِ النِّعَمِ ، فَقَدْ يَعْرِفُ لِلنِّعَمِ وَيَظُنُّ أَنَّ الشُّكْرَ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالشُّكْرُ لِلَّهِ ، فَهَذَا إنْ قَصَدَ بِهِ التَّعْظِيمَ لِلَّهِ تَعَالَى لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا شُكْرٌ لَكِنْ لَا يُفِيدُ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِاسْتِعْمَالِ الْجَوَارِحِ فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ وَصَرْفِهَا عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ ، وَمِنْ أَسْبَابِ الْغَفْلَةِ مِنْ النَّاسِ لَا يَعُدُّونَ مَا عَمَّ أَحْوَالَهُمْ نِعْمَةً إلَّا أَنْ يَزُولَ عَنْهُمْ فَيَحْسِبُوهَا نِعْمَةً زَالَتْ ، وَإِنْ رَجَعَتْ فَرُبَّمَا شَكَرُوهَا ، وَذَلِكَ غَايَةُ الْجَهْلِ إذْ صَارَ شُكْرُهُمْ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ تُسْلَبَ النِّعْمَةُ ثُمَّ تُرَدُّ إلَيْهِمْ .

وَشَكَا بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ أَرْبَابَ الْبَصَائِرِ وَأَظْهَرَ شِدَّةَ اغْتِمَامِهِ بِهِ فَقَالَ لَهُ : أَيَسُرُّك أَنَّك أَعْمَى وَلَك عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ؟ فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ : أَيَسُرُّك أَنَّك أَخْرَسُ وَلَك عَشَرَةُ آلَافٍ ؟ قَالَ : لَا ، فَقَالَ : أَيَسُرُّك وَأَنْتَ مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَلَك عِشْرُونَ أَلْفًا ؟ قَالَ : لَا ، فَقَالَ : أَيَسُرُّك أَنَّك مَجْنُونٌ وَلَك عَشَرَةُ آلَافٍ ؟ قَالَ : لَا ؛ فَقَالَ : أَمَّا تَسْتَحْيِي أَنْ تَشْكُوَ مَوْلَاك وَلَهُ عِنْدَك عُرُوضٌ بِخَمْسِينَ أَلْفًا ، وَاشْتَدَّ الْفَقْرُ بِبَعْضِ الْفُقَرَاءِ فَرَأَى فِي الْمَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ : تَوَدُّ إنْ أَنْسَيْنَاك سُورَةَ الْأَنْعَامِ وَأَنَّ لَك أَلْفَ دِينَارٍ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَسُورَةُ هُودٍ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : وَسُورَةُ يُوسُفَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَمَعَك قِيمَةُ مِائَةِ أَلْفٍ وَأَنْتَ تَشْكُو ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ سُرِّيَ عَنْهُ وَدَخَلَ ابْنُ

١٦٬٨٣٤ / ١٧٬٤٣٨