شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

تنبهات التسلي عن نوائب الدهر

الجزء ٣٤ · صفحة ٣٧٥

يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } .

وَسُئِلَ فُضَيْلٍ عَنْ الصَّبْرِ فَقَالَ : هُوَ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ ، قِيلَ : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : الرَّاضِي لَا يَتَمَنَّى فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ ؛ وَحُبِسَ الشِّبْلِيُّ فَجَاءَهُ أَصْحَابُهُ يَزُورُونَهُ فَقَالَ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَقَالُوا : أَحْبَابُك يَزُورُونَك ، فَأَخَذَ يَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ فَأَخَذُوا يَهْرُبُونَ ، فَقَالَ : لَوْ كُنْتُمْ أَحْبَابِي لَصَبَرْتُمْ عَلَى بَلَائِي وَفِي جَيْبِ بَعْضِ الْعَارِفِينَ رُقْعَةٌ يُخْرِجُهَا كُلَّ سَاعَةٍ يُكَابِدُ بِهَا الْجُوعَ وَيُطَالِعُهَا حَتَّى مَاتَ جُوعًا وَلَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا ، وَفِيهَا : ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ، وَقَالَ دَاوُد لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ : " يُسْتَدَلُّ عَلَى تَقْوَى الْمُؤْمِنِ بِثَلَاثٍ : حُسْنُ التَّوَكُّلِ فِيمَا لَمْ يَنَلْ ، وَحُسْنُ الرِّضَا فِيمَا قَدْ نَالَ ، وَحُسْنُ الصَّبْرِ فِيمَا قَدْ فَاتَ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّهِ أَنْ لَا تَشْكُو وَجَعَك وَلَا تَذْكُرَ مُصِيبَتَك ﴾ وَإِنَّمَا تُنَالُ دَرَجَةُ الصَّبْرِ فِي الْمُصِيبَةِ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِاخْتِيَارِ الْمُصَابِ بِبَقَائِهِ عَلَى الْحَالِ السَّابِقِ فِي لِبَاسِهِ وَمَطْعَمِهِ وَمُشْرَبِهِ وَتَرْكِ الْجَزَعِ وَالتَّغْيِيرِ ، فَإِنْ زَادَ حُسْنَ لِبَاسٍ وَهَيْئَةٍ فَأَحْسَنُ ، كَمَا .

رُوِيَ { أَنَّ الرُّمَيْصَاءَ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ : تُوُفِّيَ ابْنٌ لِي وَزَوْجِي أَبُو طَلْحَةَ غَائِبٌ فَقُمْت فَسَجَّيْته فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَقَدِمَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُمْت فَهَيَّأْتُ لَهُ إفْطَارَهُ فَجَعَلَ يَأْكُلُ ، فَقَالَ : كَيْفَ الصَّبِيُّ ؟ فَقُلْت : بِأَحْسَنِ حَالٍ بِحَمْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْذُ اشْتَكَى خَيْرًا مِنْهُ اللَّيْلَةَ ، ثُمَّ تَصَنَّعْت لَهُ أَحْسَنَ مَا كُنْت أَتَصَنَّعُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، حَتَّى أَصَابَ مِنِّي حَاجَتَهُ ، ثُمَّ قُلْت : أَلَا تَعْجَبُ مِنْ جِيرَانِنَا ؟ قَالَ : مَا لَهُمْ ؟ قُلْت : أُعِيرُوا عَارِيَّةً فَلَمَّا طُلِبَتْ مِنْهُمْ جَزِعُوا ، فَقَالَ : بِئْسَ مَا صَنَعُوا ؛ فَقُلْت : هَذَا ابْنُك كَانَ

١٦٬٨٧٥ / ١٧٬٤٣٨