شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الكف عن الذنوب

الجزء ٣٤ · صفحة ٣٩٣

عَنْهُ : اجْلِسُوا إلَى التَّوَّابِينَ فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : أَنَا أَعْلَمُ مَتَى يَغْفِرُ اللَّهُ لِي ؟ قِيلَ : وَمَتَى ؟ قَالَ : إذَا تَابَ عَلَيَّ بِأَنْ وَفَّقَنِي إلَى التَّوْبَةِ وَقَالَ بَعْضٌ : أَنَا مِنْ أَنْ أُحَرِّمَ التَّوْبَةَ أَخْوَفُ مِنْ أَنْ أُحَرِّمَ الْمَغْفِرَةَ ، لِأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِ التَّوْبَةِ وَتَوَابِعِهَا لَا مَحَالَةَ ، وَعَنْ الْفُضَيْلِ : لَمَّا عَايَنَ قَوْمُ يُونُسَ الْعَذَابَ ، قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّ ذُنُوبَنَا قَدْ عَظُمَتْ وَجَلَّتْ وَأَنْتَ أَعْظَمُ مِنْهَا وَأَجَلُّ فَافْعَلْ بِنَا مَا أَنْتَ أَهْلُهُ ، وَلَا تَفْعَلْ بِنَا مَا نَحْنُ أَهْلُهُ فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْعَذَابَ .

وَيُرْوَى أَنَّ شَابًّا فِي بَنِي إسْرَائِيلَ عَبَدَ اللَّهَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ عَصَاهُ مِثْلَهَا فَنَظَرَهُ يَوْمًا فِي الْمِرْآةِ فَرَأَى الشَّيْبَ فِي لِحْيَتِهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَطَعْتُك كَذَا وَكَذَا وَعَصَيْتُك كَذَا وَكَذَا فَإِذَا رَجَعْت إلَيْك أَتَقْبَلُنِي ؟ فَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ وَلَا يَرَى شَخْصًا - : أَحْبَبْتنَا فَأَحْبَبْنَاك وَتَرَكْتنَا فَتَرَكْنَاك وَعَصَيْتنَا فَأَمْهَلْنَاك فَإِنْ رَجَعْت إلَيْنَا قَبِلْنَاك وَكَانَ فِيمَنْ مَضَى رَجُلٌ جَرِيءٌ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ إنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ بِهِ خَيْرًا وَتَوْبَةً ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنِّي مُلْتَمِسٌ شَفِيعًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَتُوبَ إلَيْهِ لَعَلَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَتِي ، فَقَالَتْ لَهُ ، وَكَانَتْ غَيْرَ فَقِيهَةٍ : لَا تَذْكُرُ رَبَّك فَإِنَّك إنْ ذَكَرْتَهُ عَذَّبَك عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْ بِهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إلَى الصَّحْرَاءِ يَصِيحُ : يَا سَمَاءُ اشْفَعِي لِي ، يَا جِبَالُ اشْفَعِي لِي ، يَا أَرْضُ اشْفَعِي لِي ، يَا مَلَائِكَةَ رَبِّي اشْفَعُوا لِي ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْجَهْدُ فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا فَأَجْلَسَهُ وَمَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ لَهُ : أَبْشِرْ فَقَدْ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَك ، فَقَالَ : مَنْ كَانَ شَفِيعِي إلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : خِشْيَتُك شَفَعَتْ لَك .

١٦٬٨٩٣ / ١٧٬٤٣٨