باب في الكف عن الذنوب
الجزء ٣٤ · صفحة ٣٩٥يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي ، فَنُودِيَ : كُلُّ أَحَدٍ يَطْلُبُ مِنَّا الْعِصْمَةَ فَلَوْ أَعْطَيْنَاهُمْ الْعِصْمَةَ فَعَلَى مَنْ يَكُونُ تَفَضُّلُنَا ؟ وَيُرْوَى أَنَّ نَبِيًّا يُسَمَّى بورخ بْنُ مَارّنَا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَأَتَى بِحَارًا فَنَادَى : أَيَّتُهَا الْبِحَارُ الْبَعِيدَةُ غَوْرًا الْكَثِيرَةُ أَمْوَاجًا إنِّي قَدْ أَذْنَبْت لِلَّهِ ذَنْبًا فَهَلْ أَنْتِ مُغَيِّبَتِي مِنْ اللَّهِ سَاعَةً ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى الْبِحَارِ أَنْ تُجِيبَهُ .
فَقَالَتْ : يَا بورخ بْنُ مَارّنَا أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إسْرَائِيلَ تَقُولُ هَذَا ، مَا فِينَا مَوْجَةٌ إلَّا وَعَلَيْهَا مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ ، وَلَا قَطْرَةٌ إلَّا بِعَيْنِ اللَّهِ فَأَيْنَ نُغَيِّبُك ، فَأَتَى جِبَالًا فَنَادَى : أَيَّتُهَا الْجِبَالُ الْكَثِيرَةُ الْأَوْدِيَةَ وَالشِّعَابَ إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا فَهَلْ أَنْتِ مُغَيِّبَتِي عَنْ اللَّهِ سَاعَةً ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى الْجِبَالِ أَنْ تُجِيبَهُ ، فَقَالَتْ : يَا بورخ بْنُ مَارّنَا أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إسْرَائِيلَ تَقُولُ هَذَا ، مَا فِينَا شَجَرَةٌ إلَّا وَعَلَيْهَا مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلَّا يَعْلَمُهَا ، فَصَرَخَ فَقَالَ : " اللَّهُمَّ اقْبِضْ رُوحِي فِي الْأَرْوَاحِ وَجَسَدِي فِي الْأَجْسَادِ وَاجْعَلْنِي هَمَلًا لَا أَحْضُرُ الْحِسَابَ " ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ : " بَلْ أَتَوَفَّاك يَا حَبِيبِي وَأُسْكِنُك جَنَّتِي " وَيُرْوَى عَنْ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ بُكَاءً شَدِيدًا فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ شَيْئًا ، فَلَمَّا ضَاقَ ذَرْعُهُ وَاشْتَدَّ غَمُّهُ قَالَ : " يَا رَبِّ أَمَا تَرْحَمُ بُكَائِي " ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ : " يَا دَاوُد نَسِيت ذَنْبَك وَذَكَرْت بُكَاءَك " .
فَقَالَ : إلَهِي وَسَيِّدِي كَيْفَ أَنْسَى ذَنْبِي وَكُنْت إذَا تَلَوْت الزَّبُورَ كَفَّ الْمَاءُ الْجَارِي عَنْ جَرْيِهِ ، وَالرِّيحُ عَنْ هُبُوبِهِ ، وَأَظَلَّتْنِي الطَّيْرُ عَلَى رَأْسِي ، وَأَنِسَتْ الْوُحُوشُ إلَى مِحْرَابِي ، إلَهِي وَسَيِّدِي مَا هَذِهِ الْوَحْشَةُ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَك ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ : " يَا دَاوُد ذَلِكَ أُنْسُ الطَّاعَةِ وَهَذِهِ