شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الكف عن الذنوب

الجزء ٣٤ · صفحة ٤٤٩

فَقَالَتْ : إنَّمَا نُعْطِيك إذَا أَطَعْت اللَّهَ ، وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " أَتَدْرِي لِمَ فَرَّقْت بَيْنَك وَبَيْنَ وَلَدِك يُوسُفَ ؟ " قَالَ : لَا ، قَالَ : " لِقَوْلِك لِإِخْوَتِهِ أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ خِفْت عَلَيْهِ الذِّئْبَ وَلَمْ تَرْجُنِي ، وَنَظَرْت إلَى غَفْلَةِ إخْوَتِهِ وَلَمْ تَنْظُرْ إلَى حِفْظِي " وَلِمَا قَالَ يُوسُفُ : اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك لَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وَمِنْ أَسْبَابِ الْمَصَائِبِ الذُّنُوبُ كَضِيقِ الْقَلْبِ وَالرِّزْقِ وَاسْتِيلَاءِ الْأَعْدَاءِ ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ﴾ " وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ مَنْ قَارَفَ ذَنْبًا فَارَقَهُ عَقْلٌ لَا يَعُودُ إلَيْهِ أَبَدًا ﴾ " ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : لَيْسَتْ اللَّعْنَةُ سَوَادًا فِي الْوَجْهِ وَنُقْصَانًا فِي الْمَالِ ، إنَّمَا اللَّعْنَةُ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ ذَنْبٍ إلَّا وَقَعْت فِي مِثْلِهِ أَوْ أَشَرَّ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّعْنَ الْإِبْعَادُ ، وَكَانَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ يَمْشِي فِي الْوَحْلِ جَامِعًا ثِيَابَهُ مُحْتَرِزًا حَتَّى زَلَقَتْ رِجْلُهُ وَسَقَطَ فَقَامَ يَمْشِي فِي وَسَطِ الْوَحْلِ وَيَبْكِي وَيَقُولُ : هَذَا مِثْلُ الْعَبْدِ لَا يَزَالُ يَتَوَقَّى الذُّنُوبَ ، وَيُجَانِبُهَا حَتَّى يَقَعَ فِي ذَنْبٍ وَذَنْبَيْنِ فَبَعْدَهُمَا يَخُوضُ فِي الذُّنُوبِ خَوْضًا وَقَالَ الْفُضَيْلُ : مَا أَنْكَرْت مِنْ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَجَفَاءِ الْإِخْوَانِ فَذُنُوبُك أَوْرَثَتْك ذَلِكَ ، وَقَالَ بَعْضٌ : إنِّي لَأَعْرِفُ عُقُوبَةَ ذَنْبِي فِي سُوءِ خُلُقِ حِمَارِي .

قَالَ آخَرُ : أَعْرِفُ الْعُقُوبَةَ حَتَّى فِي فَأْرِ بَيْتِي ، وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ بِالشَّامِ : نَظَرْت إلَى غُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ فَوَقَعْت أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَرَّ بِي ابْنُ الْجَلَاءِ الدِّمَشْقِيُّ فَأَخَذَ بِيَدِي فَاسْتَحْيَيْت مِنْهُ فَقُلْت : يَا عَبْدَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ تَعَجَّبْت مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَسَنَةِ وَهَذِهِ الصَّنْعَةِ الْمُحْكَمَةِ كَيْفَ خُلِقَتْ لِلنَّارِ ؟ فَغَمَزَ يَدِي وَقَالَ :

١٦٬٩٤٩ / ١٧٬٤٣٨