خاتمة في مبادئ التصوف
الجزء ٣٥ · صفحة ٤٠٢أَبَوَيْ الطِّفْلِ لِمَحَبَّتِهِمَا لَهُ الَّتِي أَسْكَنَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمَا يَتَوَلَّيَانِ جَمِيعَ أَحْوَالِهِ فَلَا يَأْكُلُ إلَّا بِيَدِ أَحَدِهِمَا وَلَا يَمْشِي إلَّا بِرِجْلِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَفِي حَدِيثٍ : ﴿ اللَّهُمَّ كِلَاءَةُ الْوَلِيدِ ﴾ ، أَيْ احْفَظْنِي كَحِفْظِ الْوَلِيدِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ : سَأَلْت اللَّهَ عَافِيَةً وَعَفْوًا ، وَوَاقِيَةً كَوَاقِيَةِ الْوَلِيدِ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إشَارَةً إلَى قَوْله تَعَالَى : ( أَلَمْ نُرَبِّك فِينَا وَلَيَدًا ) وَفِيهِ بَعْدُ وَالْكِلَاءَةُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَبِالْمَدِّ الْحِفْظُ ، وَالْوَلِيدُ الصَّبِيُّ .
وَالْمُرَادُ بِتَرَدُّدِهِ تَعَالَى رَأْفَتُهُ تَعَالَى بِهِ فِي شِدَّةِ الْمَوْتِ ، حَتَّى كَأَنَّهُ الْكَارِهُ لِشَيْءٍ الْمُتَرَدِّدُ هَلْ يَفْعَلُهُ وَإِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ ( فَذُو النَّفْسِ الَّتِي تَأْبَى ) ، أَيْ تَمْتَنِعُ ، أَيْ لَا تَقْبَلُ أَوْ لَا تُرِيدُ ( إلَّا الْعُلُوَّ الْأُخْرَوِيَّ ) وَلِكَوْنِ أَبَى بِمَعْنَى لَا تَقْبَلُ أَوْ لَا تُرِيدُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ النَّفْيِ صَحَّ التَّفْرِيعُ مَعَهُ لِمَا بَعْدُ أَلَّا ( يَرْفَعُهَا بِالْمُجَاهَدَةِ مِنْ سَفْسَافِ الْأُمُورِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا ، أَيْ رَدِيءِ الْأُمُورِ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ ، كَالْكِبْرِ وَالْغَضَبِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَسُوءِ الْخُلُقِ ، وَقِلَّةِ الِاحْتِمَالِ ، وَأَصْلُهُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ مَا يَطِيرُ مِنْ غُبَارِ الدَّقِيقِ إذَا نُخِلَ وَالتُّرَابِ إذَا أُثِيرَ ( وَيَجْنَحُ ) ، أَيْ يَمِيلُ ( بِهَا ) أَيْ بِنَفْسِهِ ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ ( إلَى مَعَالِيهَا ) أَيْ مَعَالِي الْأُمُورِ ( مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ ) أَيْ الْمَحْمُودِ كَالتَّوَاضُعِ وَالصَّبْرِ وَسَلَامَةِ الْبَاطِنِ وَالزُّهْدِ وَحُسْنِ الْخَلْقِ وَكَثْرَةِ الِاحْتِمَالِ ، كَمَا مَثَّلَ الْمَحَلِّيَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفِّ ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ عَلِيُّ الْهِمَّةِ .
قَالَ الْمَحَلِّيُّ : وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ : ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا ﴾ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي شُعَبِ