شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

خاتمة في مبادئ التصوف

الجزء ٣٥ · صفحة ٤٢٦

يَقَعْ مُرَادُ أَحَدِهِمَا فَغَيْرُ قَادِرٍ وَإِنْ قُلْت : يَقَعُ مَقْدُورُ اللَّهِ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ أَتَمُّ ، أَلَا تَرَاهَا أَعَمَّ لِتَعَلُّقِهَا بِمَا لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَةُ الْعَبْدِ ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ تَأْثِيرِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ فَقَطْ لَا مُطْلَقًا ، وَلَا يَلْزَمُ هَذَا فِي نَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ الْعَبْدِ لِأَنَّ النَّاقِصَ لَا يَكُونُ إلَهًا .

قُلْت : قِيلَ : عُمُومُ الْقُدْرَةِ لَا يُؤَثِّرُ ، فَإِنَّ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ بِغَيْرِ الْمَقْدُورِ الْمُعَيَّنِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي هَذَا الْمُعَيَّنِ ضَرُورَةً ، وَلَمَّا فُرِضَ تَعَلُّقُ قُدْرَتِهَا بِمَقْدُورٍ مُعَيَّنٍ تَسَاوَتْ الْقُدْرَتَانِ بِالْقِيَاسِ إلَيْهِ وَكَانَ تَأْثِيرُهُمَا فِي طَرَفَيْهِ عَلَى سَوَاءٍ ، وَكَانَ تَأْثِيرُ إحْدَاهُمَا مَانِعًا مِنْ تَأْثِيرِ الْأُخْرَى دُونَ الْعَكْسِ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْقُدْرَتَيْنِ بِمَقْدُورٍ مُعَيَّنٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تُسَاوِيَهُمَا لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُ الْقَادِرِينَ أَقْدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْآخَرِ مَعَ تَشَارُكِهِمَا فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ مَقْدُورًا لَهُمَا ، فَإِنَّ اخْتِلَافَ مَرَاتِبِ الْقُدْرَةِ بِحَسَبِ الشِّدَّةِ وَالضَّعْفِ جَائِزٌ .

وَنَفَى جَهْمٌ الْقُدْرَةَ الْحَادِثَةَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَأَرَادَ ضِدَّ مَا أَرَادَ الْعَبْدُ إلَى آخِرِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ آنِفًا وَهُوَ غُلُوٌّ فِي الْجَبْرِ وَمُكَابَرَةٌ لِلْفَرْقِ الظَّاهِرِ بَيْنَ الَّذِي يَعْلُو اخْتِيَارًا وَاَلَّذِي يَهْبِطُ اضْطِرَارًا ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَهُ صِفَةٌ يُوجَدُ الصُّعُودُ عَقِبَهَا وَيَتَوَهَّمُهَا مُؤَثِّرَةً وَيُسَمِّيهَا قُدْرَةً بِخِلَافِ الثَّانِي وَبَيْنَ حَرَكَةِ الِاخْتِيَارِيِّ وَحَرَكَةِ الِارْتِعَاشِ ، وَإِنْ قَالَ جَهْمٌ : لَا نُرِيدُ بِالْقُدْرَةِ إلَّا الصِّفَةَ الْمُؤَثِّرَةَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَأْثِيرُهَا فَلَا قُدْرَةَ كَانَ مُنَازِعًا فِي التَّسْمِيَةِ فَقَطْ ، فَإِنَّا نُثْبِتُ لِلْعَبْدِ ذَاتَ الصِّفَةِ الْمَعْلُومَةِ بِالْبَدِيهَةِ وَنُسَمِّيهَا قُدْرَةً ،

١٧٬٤٢٦ / ١٧٬٤٣٨