شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

خاتمة في مبادئ التصوف

الجزء ٣٥ · صفحة ٤٢٧

فَإِذَا اعْتَرَفَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَقَالَ : لَيْسَتْ قُدْرَةً لِعَدَمِ تَأْثِيرِهَا كَانَ نِزَاعُهُ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ الْقُدْرَةِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَهُوَ بَحْثٌ لَفْظِيٌّ ، وَإِنْ قَالَ : حَقِيقَةُ الْقُدْرَةِ وَمَاهِيَّتُهَا أَنَّهَا صِفَةٌ مُؤَثِّرَةٌ مَنَعْنَاهُ بِأَنَّ التَّأْثِيرَ مِنْ تَوَابِعِ الْقُدْرَةِ وَقَدْ تَنْفَكُّ عَنْهَا كَمَا فِي الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ غَيْرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الْآمِدِيُّ : مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا جَوَازُ مَقْدُورٍ بَيْنَ قَادِرَيْنِ : خَالِقٍ وَمُكْتَسِبٍ وَامْتِنَاعُ ذَلِكَ بَيْنَ خَالِقَيْنِ أَيْ لَوْ وُجِدَا أَوْ مُكْتَسِبَيْنِ ، وَأَجْمَعَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ مُطْلَقًا غَيْرَ أَبِي الْحَسَنِ ، وَاَلَّذِي فِي الْمَوَاقِفِ " وَشَرْحِهِ : أَنَّ أَبَا عُقَيْلٍ جَوَّزَ ذَلِكَ ، كَانَ الْقَادِرَانِ مُؤَثِّرَيْنِ أَوْ كَاسِبَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ بِالتَّأْثِيرِ وَالْكَسْبِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ أَبَا الْحَسَنِ لَمْ يَقُلْ بِقُدْرَةِ كَاسِبِهِ ، وَقِيلَ : جَوَّزَهُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَالْمَخْلُوقَيْنِ كَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى أَنَّ دَلِيلَ التَّمَانُعِ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ حُصُولُ مُرَادِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ ، كَمَا فِي تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَلَا يَتِمُّ فَإِنَّ الْخَالِقَ أَقْدَرُ مِنْ الْمَخْلُوقِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَخْلُوقَيْنِ أَقْدَرُ مِنْ الْآخَرِ فَلَا يَكُونُ وُقُوعُ مُرَادِ الْأَقْدَرِ تَحَكُّمًا وَأَجَازَهُ الْأَشْعَرِيَّةُ بَيْن قَادِرٍ خَالِقٍ وَقَادِرٍ كَاسِبٍ ، بِنَاءً عَلَى إثْبَاتِ قُدْرَةٍ لِلْعَبْدِ غَيْرِ مُؤَثِّرَةٍ فِي مَقْدُورِهِ بَلْ مُتَعَلِّقَةٍ بِهِ تَعَلُّقَ الْكَسْبِ مَعَ شُمُولِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَيَكُونُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ كَسْبًا مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعَالَى تَأْثِيرًا .

وَمَنَعَ الْمُعْتَزِلَةُ جَوَازَ كَوْنِ مَقْدُورٍ بَيْنَ قَادِرَيْنِ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ قُدْرَةٍ غَيْرِ مُؤَثِّرَةٍ ، وَنَحْنُ نُثْبِتُهَا كَالْأَشْعَرِيَّةِ فَنُجِيزُ كَوْنَ مَقْدُورٍ بَيْنَ قَادِرَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ ، جِهَةِ الْخَلْقِ

١٧٬٤٢٧ / ١٧٬٤٣٨