خاتمة في مبادئ التصوف
الجزء ٣٥ · صفحة ٤٢٨وَجِهَةِ الْكَسْبِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ ذَلِكَ بَيْنَ قُدْرَتَيْنِ مُؤَثِّرَتَيْنِ لِلتَّمَانُعِ ، وَلَا كَاسِبَتَيْنِ ، لِأَنَّ الْكَسْبَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِعْلًا مُتَعَلِّقًا بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ خَارِجٍ عَنْ مَحِلِّ تِلْكَ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ فَلَا يَقْدِرُ عَمْرٌو عَلَى فِعْلِ زَيْدٍ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ اثْنَانِ هُمَا مَحِلٌّ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ ، أَيْ بَلْ يَفْعَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِعْلًا مُشَابِهًا لِفِعْلِ الْآخَرِ مَثَلًا ، أَوْ يَفْعَلُ أَحَدُهُمَا بَعْضًا وَالْآخَرُ بَعْضًا آخَرَ ، وَذَلِكَ الْبَعْضُ فِعْلٌ تَامٌّ لِفَاعِلِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيُعْرَفُ إثْبَاتُ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ بِالْوِجْدَانِ كَالْفَرْقِ بَيْنَ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَالْمُخْتَارِ وَقَالَ الْهَمْدَانِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ : يُعْرَفُ بِتَيَسُّرِ الْفِعْلِ مِنْ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ وَهُوَ الْقَادِرُ ، وَيُبْحَثُ مَعَهُ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْ الْفِعْلِ قَادِرٌ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَيَسَّرُ مِنْهُ ، وَإِنْ قَالَ : يَتَيَسَّرُ بِارْتِفَاعِ الْمَانِعِ ، لَزِمَ أَنَّ الْعَاجِزَ قَادِرٌ بِاعْتِبَارِ ارْتِفَاعِ الْعَجْزِ ، وَإِنْ قَالَ : الْمَمْنُوعُ مَوْصُوفٌ بِمَا يُصَحِّحُ مِنْهُ الْفِعْلَ لَكِنْ تَخَلَّفَ لِمَانِعٍ وَالْقُدْرَةُ مُصَحِّحَةٌ لِلْفِعْلِ لَا مُوجِبَةٌ لَهُ ، وَلَيْسَ لِلْعَاجِزِ مَا يُصَحِّحُهُ مِنْهُ .
قُلْنَا : تَعَذَّرَ الْفِعْلُ عَنْهُمَا ، وَإِذَا فُرِضَ زَوَالُ مَا بِهِ تَعَذُّرٌ فَمِنْ أَيْنَ وُجُودُ الْمُصَحِّحِ مَعَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ؟ وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ : يُعْرَفُ بِالْعِلْمِ بِصِحَّةِ الشَّخْصِ وَيُبْحَثُ مَعَهُ بِأَنَّهُ تُوجَدُ الصِّحَّةُ وَلَا قُدْرَةَ عِنْدَ اتِّصَافِهِ بِضِدِّهَا كَنَوْمٍ وَعَجْزٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( فَلَا تَصْلُحُ قُدْرَتُهُ ) ، أَيْ قُدْرَةُ الْعَبْدِ ( لِلضِّدَّيْنِ ) ، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الضِّدَّيْنِ ( فِي حَالٍ عَلَى الصَّحِيحِ ) ، أَيْ لَا تَصْلُحُ لِلتَّعْلِيقِ بِالضِّدَّيْنِ ، وَإِنَّمَا تَصْلُحُ لِلتَّعْلِيقِ بِأَحَدِهِمَا الَّذِي يَقْصِدُ .
وَقِيلَ : تَصْلُحُ لِلتَّعْلِيقِ بِهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ ،