شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

خاتمة في مبادئ التصوف

الجزء ٣٥ · صفحة ٤٣٢

هِيَ إلَّا فِي الْمَرِيضِ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ هِيَ الْعَجْزُ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْمَمْنُوعِ وَلِأَبِي هَاشِمٍ أَنْ يَجْعَلَ التَّفْرِقَةَ الضَّرُورِيَّةَ عَائِدَةً إلَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ فِي الْمَرِيضِ وَوُجُودِهَا فِي الْمَمْنُوعِ ، فَالْمَمْنُوعُ قَادِرٌ عَلَى رَأْيِهِ ، وَقَالَ الْفَخْرُ : لَا دَلِيلَ عَلَى كَوْنِ الْعَجْزِ صِفَةً وُجُودِيَّةً .

وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنْ جَعْلَ الْعَجْزِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّا نَقُولُ : كِلَاهُمَا مُحْتَمَلٌ ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَحَدِهِمَا كَانَ الِاحْتِمَالُ بَاقِيًا ، وَفِي نَقْدِ الْمُحَصَّلِ : إنَّ الْقُدْرَةَ إنْ فُسِّرَتْ بِسَلَامَةِ الْأَعْضَاءِ فَالْعَجْزُ عِبَارَةٌ عَنْ آفَةٍ تَعْرِضُ لِلْأَعْضَاءِ ، وَتَكُونُ الْقُدْرَةُ أَوْلَى بِأَنْ لَا تَكُونَ وُجُودِيَّةً ، لِأَنَّ السَّلَامَةَ عَدَمُ الْآفَةِ قُلْت : وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْعَجْزُ عِبَارَةً عَنْ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ ، كَمَا تَكُونُ الْقُدْرَةُ أَمْرًا وُجُودِيًّا إذَا كَانَ عِبَارَةً عَنْ هَيْئَةٍ تَعْرِضُ عِنْدَ سَلَامَةِ الْأَعْضَاءِ قَالَ السَّيِّدُ عَنْ نَقْدِ الْمُحَصَّلِ : وَإِنْ فُسِّرَتْ الْقُدْرَةُ بِهَيْئَةٍ تَعْرِضُ عِنْدَ سَلَامَةِ الْأَعْضَاءِ ، وَيُسَمَّى بِالتَّمَكُّنِ أَوْ بِمَا هُوَ عِلَّةٌ لَهُ ، وَجُعِلَ الْعَجْزُ عِبَارَةً عَنْ عَدَمِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ ، كَانَتْ الْقُدْرَةُ وُجُودِيَّةً وَالْعَجْزُ عَدَمِيًّا ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْعَجْزِ مَا يَعْرِضُ لِلْمُرْتَعِشِ وَتَمْتَازُ بِهِ حَرَكَةُ الِارْتِعَاشِ عَنْ حَرَكَةِ الِاخْتِيَارِ فَالْعَجْزُ وُجُودِيٌّ ، وَلَعَلَّ الْأَشْعَرِيَّةَ ذَهَبُوا إلَى هَذَا الْمَعْنَى فَحَكَمُوا بِكَوْنِهِ وُجُودِيًّا .

قِيلَ : وَأَصَحُّ قَوْلَيْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ الْعَجْزَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ ، فَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الْكَلَامَ عَاجِزٌ عَنْ الْقُعُودِ أَوْ الِاضْطِجَاعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ ، وَلَا يُطِيقُ الِانْفِكَاكَ عَنْهُ ، وَلَا يُقَالُ : عَاجِزٌ عَنْ الْقِيَامِ الْمَعْدُومِ ، فَإِنَّ التَّعَلُّقَ بِالْمَعْدُومِ خَيَالٌ مَحْضٌ لَا عِبْرَةَ

١٧٬٤٣٢ / ١٧٬٤٣٨