تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

87

الجزء ٣ · صفحة ١٧٦

﴿ وَإِنْ كَانَ طَائِفَة مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَة ﴾ منكم ﴿ لَّمْ يُؤْمِنُوا ﴾ به ﴿ فَاصْبِرُوا ﴾ انتظروا أَيها الكفار ، والخطاب لهم فالمراد بالصبر لازمة وهو الانتظار ، ﴿ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا ﴾ ن واقعة على المؤمنين والكافرين فلا حاجة إِلى تقدير وبيتكم ، وفى ذلك تغليب التكلم على الخطاب بالنسبة إِلى الكفار ، وتغليب التكلم على الغيبة بالنسبة للمؤمنين ، والآية وعد للمؤمنين وإِيعاد للكافرين لأَنها تتضمن نصر المؤمنين عليهم ، ويجوز تفسير الصبر بظاهره والخطاب به للمؤمنين والكفار ، أَى ليصبر المؤمنون على أَذى الكفار ، والكفار على ما يسوؤهم من إِيمان من آمن منهم ، وما تقدم أَولى لأَن مساق الآية للتربص إِلى حكم الله عليهم بالهلاك ، ويجوز أَن يكون للمؤمنين لينالوا فضل الصبر ويظفروا بهلاك عدوهم ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ ﴾ أَشدهم عدلا ، وكأَنه قيل : بم أَجابوا شعيبا إِذ قال ذلك فقال :

﴿ قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ﴾ عن الإِيمان ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالله ووحدانيته ﴿ مَعَكَ ﴾ متعلق بآمنوا لا بنخرج ﴿ مِنْ قَرْيَتِنَا ﴾ مدين ، وبينها وبين مصر ثمانية مراحل ، ومر أَنها سميت باسم مدين بن إِبراهيم ، أُرسل شعيب إِلى أَهل مدين وإِلى أَهل الأَيكة ، وهى قرب مدين ﴿ أَوْ لَتَعُودَنَّ ﴾ لم يقولوا أَو لنعيدنكم كما هو الموافق لقوله : لنخرجنك لأَن مرادهم أَن يعودوا اختيارا ولو بكره لا أَن يعودوا بالإِجبار ﴿ فِى مِلَّتِنَا ﴾ ملة الإِشراك بالله والمنكرات التى يفعلونها ، أَى أَو لتصيرن ، والصيرورة إِلى الشئِ شاملة لأَن لا يكون الصائر إِليه فيه قبل ذلك كما هو شأن شعيب؛ فإِن الأَنبياء لا يعصون قبل النبوة ولا بعدها إِلا ما يعد عصيانا فى حقهم ، وشاملة لأَن يكونوا فيه قبل الانصراف عنه ثم يرجعوا إِليه كما هو شأن من آمن به من قومه ، ويبعد أَن يكون الخطاب فى تعودون لقومه فقط ، فيكون العود على ظاهره ، إِلا أَن فى هذا خطابين لفريقين كل على حدة ، ولا بأس بذلك فهو كقوله تعالى : ﴿ يوسف أَعرض عن هذا واستغفرى لذنبك ﴾ وإِلا أَنه لا يناسبه كل المناسبة قوله ﴿ قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴾ إِذ لم يقل على هذا الوجه أَولو كانوا كارهين ، والجواب أَنه مناسب جداً ، أَى المؤمنون معه كيد واحدة يهمه ما يهمهم ، ويهمهم ما يهمه ، فهذه نكتة أَو لو كنا بإِدخال نفسه معهم ، وأَما إِذا قلنا : الخطاب فى تعودون له ولهم ، فلا خفاءَ فى دخوله أَيضا فى قوله : « أَو لو كنا كارهين » ويجوز أَن يكونوا توهموا من حاله قبل الإِرسال إِليهم أَنه على دينهم ولو كان قد يأمرهم وينهاهم ، فقالوا : لتعودن أَنت وقومك كما كنتم من قبل ، أَو أَدرجوه مع قومه تغليبا لهم عليه مع علمهم بأَنه لم يكن قط على دينهم ، أَو أَوهموا العامة أَنه كان على دينهم قبل ، وفى بمعنى إِلى ، أَو للظرفية ، وفيها مبالغة بأَن تكون ملتهم كظرف لشعيب ومن آمن به فى التمكن فيها ، والتقدير : أَنعود فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين بالعطف على محذوف كما رأَيت ، وهذا أَولى من تقدير تعيدوننا فيها ، وتقدير العود أَو الإِعادة ِما مجازاة منه لهم كأَنه كان فيها مع علمهم أَنه لم يكن فيها إِذ خاطبوه خطاب الكائن فيها ، وإِما مجاراة لتوهمهم أَنه كان فيها ، أَو مجاراة لإيهامهم العامة ، وإِما تفسير له بمطلق الصيرورة ، وليس يحل له إِيهامهم أَو إِيهام العامة أَنه كان عليه فليس موهما ، ولكن مجازاة لفظية ، والاستفهام تعجب ، ويجوز أَن يعتبروا على ما عندهم أَنه لو شاءَ لكفر فحكموا بحكم من كان قبل فى الكفر ، كما أَن من الجائز أَن يكون الكفر فى الإِسلام فى زمانهم بعد بلوغهم ، فقال الله D

١٬١٧٦ / ٦٬٠٩٣