55
الجزء ٣ · صفحة ١٤٦﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ ﴾ اسأَلوه مصالحكم الدينية والدنيوية والأخروية ، وهو مخ العبادة ، وما من شئ أكرم على الله من الدعاءِ ، ورد ذلك فى الحديث لأَن فيه تذللا واعترافا بعجزه وعجز غيره ، وبقدرة الله D على الإيصال إِلى الخير ، وبعلمه بحوائج العباد ودعائهم ﴿ تَضَرُّعًا ﴾ تذللا أَو استكانة أَو تملقا ، وقيل معناه جَهْرًا ﴿ وَخفْيَةً ﴾ أَى سرًّا ، والمعنى متضرعين وخافين أَى ذوى خفاء فى الدعاءِ أَو ذوى تضرع وخفية . قال الحسن : بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا . وكان المسلمون يجتهدون فى الدعاءِ ولا يسمع لهم صوت فما كان إِلا همسا بينهم وبين ربهم ، والإِخفاء أَنسب بالإِخلاص ودليل عليه ، وقد قال الله D ﴿ إِذ نادى ربه نداء خفيا ﴾ ويجوز الجهر ليتعلم جاهل ، وللتأمين وإِزالة وحشة أَو نوم وإِدخال سرور وقهر مبتدع ، ولترغيب السامع ولكل عارض من الخير ، ويجتنب الرئاء والسمعة . وقال لقوم يجهرون : أَيها الناس ، اربعوا على أَنفسكم إِنكم لا تدعون أَصم ولا غائبا ، إِنكم تدعون سميعا بصيرا . وهو معكم ، وهو أَقرب إِلى أَحدكم من عنق راحلته . رواه أَبو سعيد ، وتستثنى التلبية فإِنه يجهر بها جدا ﴿ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ فى الدعاءِ بالتوسع فيه بغير احتياط عما يكره أَو لا يجوز ، وعن الرغبة فى الدنيا وكونها أَكبر همه ، وطلبه مالا يليق كالصعود إلى السماءِ ، ورتبة الأَنبياءِ والصيام فيه ، قال A : « سيكون قوم يعتدون فى الدعاء وحسب المرء أَن يقول : اللهم إِنى أَسأَلك الجنة وما قرب إِليها من قول وعمل » ، ثم قرأَ : إِنه لا يحب المعتدين ، ويحرم الدعاء بالنبوة إِجماعاً ، والصحيح تحريم ما خص بالأَنبياء لأَن الدعاءَ به اعتداء ، والله لا يحب المعتدين ، وستر الأَيدى بدعة محرمة مخالفة للسنة . وذلك من الاعتداء فى الدعاء إِذ جعل غير الشرع شرعاً إِلا إِن كان إِنسان فى جملة ناس لا يدعون معه فله إِخفاء يديه فى الدعاء بحيث لا يعرفون أَنه يدعو ، ومن الاعتداء فى الدعاء الدعاء على الفاسق أَن يموت مشركاً حتى قيل إِن الداعى بذلك مشرك ، والصحيح كفره كفر نعمة ، وأَما أَن يدعو على فاسق بالموت على غير توبة فأَجازه بعض أَصحابنا . والمختار المنع كأَنه غير منصوص عليه فلا يحال بينه وبين التوبة ﴿ وَلاَ تُفْسِدُوا فى الأَرْضِ ﴾ بالإِشراك والمعاصى وأَخلاق السوء والجهل ﴿ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ بالتوحيد والطاعة ومكارم الأَخلاق بواسطة الأَنبياء والكتب والعقول والأَحكام الشرعية ﴿ وَادْعُوهُ ﴾ اعبدوه ﴿ خَوْفًا ﴾ من طرده ﴿ وَطَمَعًا ﴾ فى تقريبه ، أَى خائفين وطامعين أَو ذوى خوف وضع ، أَو لخوف من النار لقصورهم فى الأَعمال والطمع فى الجنة لفرط رحمته وفضله ، والعبادة لهذا صحيحة عندنا إِلا أَنها ناقصة على العبادة إِجلالا ، وزعم قوم من الأَشاعرة أَنها لا تصح ، لأَنه ما أَتى بها تعبدا لمولاه وقضاء لحق ألوهيته ، وقيل الدعاء فى الموضعين العبادة ، وقيل : السؤال وكتمان النفل من العبادة أَفضل إِلا ما خص كصلاة الضحى والتلبية ، وإِذا صفا القلب على الرئاء وقصد الاقتداء فإِظهار النفل أَفضل ، وأَما الفرض فإِظهاره أَفضل ، وقال بعض قومنا : إِخفاء العبادة أَفضل ولو فرضا ، وبعض : إِظهارها أَفضل ولو نفلا ليقتدى به بأَن يظهرها ويجهد نفسه فى مجانبة الرئاء ﴿ إِنَّ رَحْمَة اللهِ قَرِيب مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ ترجيح للطمع ، ولا سيما عند الاحتضار ، وتنبيه على ما يتوسل به إِلى الإجابة والقبول وهو الإِحسان لم تذكر الرحمة لإِضافتها إِلى غير مؤنث لأنها ذكرت ولا إِضافة إِليه فى قوله تعالى : إِن الساعة قريب ، وأَيضاً هذا مختص بالشعر وأُجيز العكس بل ذكر لتأويله بالرحم بضم الراء كما فى قوله تعالى وأَقرب رحماً أَى رحمة ، ولزم عليه جواز تذكير الموعظة بمعنى الوعظ ، والذكرى بمعنى التذكير ، وقال سعيد بن جبير : لأَنها بمعنى الثواب ، ومثله : قيل ذكر لأَنه بمعنى اللطف والإحسان ، واعترض بأَن مثل هذا مختص بالشعر أَو لأَنه نعت لمذكر أَى أَمر قريب ، واعترض بأَن مثل هذا مختص بالشعر .