18
الجزء ٤ · صفحة ٤٥٨﴿ مَثًلُ الَّذِينَ كفَرُوا بِربِّهِمْ ﴾ أَي صفتهم ، استعير لها لفظ مثل الموضوع ، شبه مضربه بمورده لجامع الغرابة ، وخبره محذوف ، أَي فيما يتلى عليكم بيان مثل الذين كفروا كقول سيبويه : فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزانى ، وحكم السارق والسارقة ، وكأَنه قيل : كيف شبه مثلهم؟ فقال : ﴿ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتّدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ أَو أَعمالهم بدل اشتمال من مثل . ومثل مبتدأٌ خبره كرماد ، أَو خبره فيما يتلى عليكم ، وأَعمال بدله ، أَو مبتدأُ خبره أَعمالهم كرماد ، والرابط كونه نفس المبتدإِ في المعنى ، وقال الكسائِى : مثل زائدِ فكأَنه جعل أَعمالهم مبتدأ خبره كرماد ، والأَصل عدم الزيادة ، ولا سيما زيادة الاسم . ومعنى اشتدت به الرياح ، واليوم العاصف شديد الريح ، وإِسناد العصف إِلى الريح مجاز عقلى؛ لأَن العصف بمعنى الهبوب الشديد وأُسند إِلى زمانه ، أَو يقدر مضاف أَى عاصف ريحه ، والمراد أَعمالهم الحسنة كالصدقة وإِغاثة الملهوف والعتق وصلة الرحم ، فإِنهم لا يثابون عليها لشركهم فهي ذاهبة كذهاب الرماد بالريح الشديدة ، وأَعمالهم عبادة الأَصنام وما أَنفقوا لها أَو ذلك كله ﴿ لاَ يَقْدِرُونَ ﴾ يوم القيامة ﴿ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شىءٍ ﴾ سوى الحسرة والعذاب لا يستفيدون بها مثيباً ولا يدفعون بها عقاباً ، أَو تخفيفاً فيه . وهذا زيادة إِيضاح وفذلكة للتشبيه بالمراد الذي اشتدت به الرياح يذهب كله ، وإِن بقي بعضه ، فكما أُثيبوا في الدينا بعملهم سواء عملوا لله ، أَو للأَصنام ، إِلا أَن ما عملوا للأَصنام لا يثابون عليه في الدنيا ولا في الآخرة بل يعاقبون عليه ، ومما كسبوا حال من شيءٍ ولتوسعهم في الظروف قدم على صاحبه المجرور . وقدم مما كسبوا هنا ، لأَن المقام مقام لأَن يذكر أَن أَعمالهم كلها كرماد ، وأُخر في آية أُخرى مراعاة لبيان أَن شيئاً ما منها لا ينفعهم ، والله الموفق ﴿ ذَلِكَ ﴾ ما ذكر من أَعمالهم أَو اعتقاد نفعها ﴿ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ ﴾ ومعلوم أَنها ضلال فيجوز أَن يقدر ذلك الضلال هو الضلال البعيد ، إذ خلطوا وظنوا أَنهم على الطريق الموصلة ، فيبعد أَن يتركوه ، بل يدعون إِليه ، ويخطئُون من خالفهم .