تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

16

الجزء ٥ · صفحة ٤٦٦

﴿ ورورح منه ﴾ وفى الإضافة ما مرّ .

﴿ فتمثَّل لَها ﴾ أى تمثل لها روحنا أى تصور لها ﴿ بشراً سوياً ﴾ كامل البنية والأدب ، لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئاً ، وقيل : تمثل فى صورة قريب لها يوسف من خدم بيت المقدس لتأنس بكلامه ، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته ، ولو بدا لها على صورة ملك لنذرت فنقول لم يجىء إليها لتنحدر نطفة منها من صدرها إلى رحمها لتكون عيسى ، فإن هذا خطأ كما يدل له قوله تعالى :

﴿ قالَت إِنِّى أُعُوذ بالرَّحْمن منْكَ إِن كُنْت تَقيّاً ﴾ لله D حاذراً للزنى والمعاصى ، وإِن لم تكن تقياً لم أطمع أن تؤثر فيك استعاذتى بالله ، بأن ترهبها إلا أن يشاء الله ، بمعنى أن تقولك مانعة من الفجور ، وهذا تذكير ، وهذا شاهد عدل على ورعها .

قلت : لا مانع من أن يرسله إليها لتنحدر من صدرها عند رؤيتها إياه ضرورة بلا اختيار منها ، ولا ميل وذلك غير مناف للورع ، إلا أنه بقى أن يقال : كون عيسى من نطفة جاءتها من نظر إلى غير زوجها نقص له حاشاه ، ويقوى عدم النطفة ما ذكره الله من النفخ فى الدرع ، ومن عادة المَلَك بفتح اللام إذا تمثل فى خير أن يتمثل بصورة حسنة كما كان جبريل يتمثل لرسول الله A ، وفى مصالحه A بصورة دحية الكلبى ، وما قيل إن معن عن جوابها وذلك أولى من أن تقدر إن كنت تقياً اتعظت ، أو فاذهب عنى ، أو فلا تتعرض لى ، أو إن كنت تقياً تعوذت منك ، فكيف إن لالم تكن تقياً .

ومن أن تجعل إن نافية مستأنفة أى ما كنت تقياً بحضورك عندى منفرداً ، ومن أن تقياً رجل طالح حقيق بأن يستعاذ منه ، أو صالح حقيق بأن تؤثر فيه الاستعاذة ، وابتلاها الله D بصورة الجميل اختباراً لعفتها وإظهاراً لها ، واستعاذتها بالله خوف أن يكون البشر السوى مريداً للزنى ، وحذراً من اشتهائها الطبيعى ، وهو لا ينافى ورعها ، بل يحققه إذ غلبته ، ولم تعمل به ، وقد قال الله عز ولج عن يوسف عليه السلام : ﴿ وإلا تصرف عنى كيدهم أصب إليهن وأكن من الجاهلين ﴾ وقال : ﴿ وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وقفنا على همَّ أو وصلناه على أنه مما بعده ، وذلك مع أنه من الطبع استعاذ منه فقال : ﴿ معاذ الله إنه ربِّى أحسن مثواى ﴾ وكفر من قال : خلق شىء لا من شىء محال ، وهو قول يوجب التسلسل ، والتسلسل باطل مناف للقدرة ، بل يخلق الله الشىء لا من شىء ويخلق منه ما يريد .

والملك جسم عظيم ، لكن أقدر الله الملائكة على الانطواء ، أو له أجزاء أصلية قليلة ، تمثل بها ، وأجزاء فاضلة أسقطها ، وأما على أنه روحانى فلا إشكال فى أنه تارة بهيكل عظيم ، وتارة بصغير ، ولا يقال إجازة التمثيل يرفع الوثوق بكل ما نراه ، فلعله غيره ، لأنا نرى الشىء مستمراً ، وأيضاً يعاد فى ذلك إلى نفس التخييل لعله غير تخييل ، وإسناد الأشياء إلى الاتصالات الفلكية كفر قام الدليل القاطع على بطلانها ، والعقل ولو أجاز التخييل لكن بطل بالمشاهدة ، ودلائل الشرع ، وذكرت الرحمن مبالغة فى الحذر ، بأن يرحم ضعفها ، وعجزها عن الدفع واستجال برحمة الله الدافعة ، وعن ابن عباس لما قالت : أنى أعوذ بالرحمن الخ تبسم جبريل ، فقال ما ذكر الله D فى قوله :

﴿ قال إنَّما أنا رسُول ربِّك ﴾ ما أنا إلا رسول الذى ملك أمرك ، ونظر مصلحتك الذى استعذت به لست من أهل الالشر ﴿ لأهَبَ ﴾ أنا بالهمزة ﴿ لك غلاماً زكياً ﴾ لأكون سبباً وواسطة فى هبته لك بالنفخ فى الدرع ، أو لأهب بالياء فوق الإيمان أى ليهب الله لك ، ودعوى أن الأصل الهمزة قلبت ياء لكسر ما قبلها تكلف بلا داع مع ما فيه من الإلباس ، واللام على كل حال متعلق برسول ، لأنه بمعنى مرسل ، كأنه قيل : أرسلنى لأهب ، أو ليهب ، وإذا صير إلى التقدير فقدر جئت ، أو أرسلت ، وزكياً ينمو من خير إلى خير فوقه ، وتقدم تفسيره ، فإن هذا هو ذاك ، ولا دلالة فى الآية على نبوة مريم ، لأن تكلم جبريل لها ليس على طريق النبوة ، وأيضاً لم يوح إليهما بشرع .

٢٬٤٦٦ / ٦٬٠٩٣