26
الجزء ٥ · صفحة ٤٧٤﴿ فكلى ﴾ من الرطب ﴿ واشربى ﴾ من السرى وهذا هو الظاهر ، وقيل اشربى من عصير الرطب ، وكان فى غاية الطراوة ، وفيه أنه لا ذكر فى الآية للعصر ، وقدم ذكر وجود الماء ، وأحضره لأن الماء أشرح للنفس ، ولا سيما الجارية ، والاهتمام به أشد وهو للتنظيف والشرب معاً وأخر الشرب عن الأكل لاعتياد ذلك ، وليتصل الأكل بلفظ المأكول وهو الرطب ، وأمرها بالأكل والشرب للوجوب بمعنى أن الله D قضى حياتها وحياة ولدها وقوتهما بالأكل والشرب وهو الأصل ، وكيف تترى ضيافة الله ، وقيل إباحة ، وقيل باحتمال الوجوب والندب .
﴿ وقرى عيناً ﴾ هذا أمر الوجوب ، لكن ليس على ظاهرة لأن قوة العين ضرورية لا كسبية ، بل باعتبار ما أريد بها ، وهو ترك الحزن ، كأنه قيل التركى الحزن إلى الانشراح ، فلا يتكرر مع قوله : ﴿ ولا تحزنى ﴾ وهو المراد ، إلا أن دمعة الحزن حارة ، والعين حارة عنده ، ودمعة الفرح باردة ، بمعنى أنها ليست حارة ، فعبر عنها بالقر وهو البرد ، ويجوز تفسير قرى باسكنى عن الاضطراب بالضيق أمرها بالسكون وترك الحزن ، كما روى أن عيسى السلام قال : لا تحزنى ، فقالت : كيف لا أحزن وأنت معى ، ولست ذات زوج ولا مملوكة ، فما عذرى عند الناس؟ فقال لها : اسكتى وأتكلم عنك ، كما قال الله جل وعلا :
﴿ فإِمَّا ترينَّ من البَشَر أحداً ﴾ إما إن الشرطية وما الموعدة ﴿ فقولى ﴾ له إن كلمك وأراد جواباً ﴿ إِنِّى نذرتُ ﴾ وعدت ، فالنذر يكون بلا شرط ، كما يكون الوعد بلا شرط ﴿ للرحمن صوماً ﴾ لا تتنصرى لنفسك فتتعبى ، أنا أجيب عك السفهاء ، وفيه أن السكوت عن السفيه مأمور به مؤكد ، حتى قيل : واجب وايضا الله يجيب عنها ، وأجاب عنها عيسى ، وذلك أقوى من أن تجيب هى ، أو لما أذعنت للصمت أنطق الله لها عيسى مجيباً عنها ، وصوماً إمساكا عن الكلام ، أو عنه وعن المفطرات ، وكانوا إذا أرادوا التقرب إلى الله تعالى لم يتكلموا يومهم ، أو إلى العشى ، ولو بلا صوم ، ويعتبرون ذلك عبادة عظيمة ، وكانوا لا يتكلمون فى صيامهم ، ونسخ فى شرعنا ، فمن نذره لم يجز له الوفاءَ به .
دخل الصديق رضى الله عنه على امرأة نذرت أن لا تتكلم ، فقال : إن الإسلام هدم هذا فتكلمى ، ولا دليل على اختصاص مريم به .
فى رواية حارثة بن مضرب : كنت عند ابن مسعود ، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر ، ثم جلسا فقالوا : ما لصاحبك لم يسلم؟ فقال نذر صوماً لا يكلم اليوم إنسياً ، فقال له اين مسعود : بئس ما قلت ، إنما كانت تلك المرأة يعنى مريم ، قالت ذلك ليكون عذراً لها إذا سئلت فتكلم وأمر بالمعروف ، وأنه عن المنكر خير لك ، وخصها بالذكر لأنها التى علم منها ذلك فى القرآن ، ولعل الرجل أتى قبل الذى سلم بحيث لا يكفى أحدهما عن الآخر ، وإلا لم ينتظر منه السلام .