تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

16

الجزء ٥ · صفحة ٤٦٥

﴿ واذْكُر ﴾ يا محمد للنَّاس ﴿ فى الكتابِ ﴾ فى هذه السورة ، إذ صدرت بقصة زكرياء المستتبعة لقصة مريم ، وقصص الأنبياء ، كما تناسبت هذه السورة ، وسورة الكهف فى الاشتمال على عجائب من أصحاب الكهف والجنتين ، وقصة موسى والخضر وذى القرنين ، وولادة يحيى وعيسى ، ولا سيما ما قيل : إن أصحاب الكهف من قوم عيسى ، وإنهم يبعثون ويحجون معه ، والجمهور على أن الكتاب القرآن وهو المتبادر .

﴿ مَرْيَم ﴾ أخبار مريم ﴿ إِذِ انْتَبَذَتْ ﴾ اعتزلت ، قيل متعلق بأخبار الذى قدرته مضافاً لمريم ، وقدر أبو حيان واذكر مريم ، وما جرى إذ انتبذت ، وهو أولى ، لأن جرى أدل على الحديث من الأخبار جمع خبر ، أو نبأ إن قدر بل لا يجوز تقدير نبأ أو أخبار ، لأنه لا أخبار وقت الانتباذ ، فلو قدر حوادث مريم لكان أولى لاختصاره ، وظهور الحدث ، وقيل : حال من نبأ المضاف لمريم أى اذكر نبأ مريم ثابتاً إذ انتبذت ، وفيه أنه لم يثبت حين انتبذت كما مر ، ويجوز أن يكون بدل اشتمال ، ولو كان الزمان لا يخبر به عن الجثة ، ولا توصف به ولا يجىء حالا منها ، وقيل : بدل مطابق ، وفيه أن وقت الانقياذ غير مريم وغير نبئها ، والقول بأن إذ حرف مصدر على معنى التعليل أى لأن انتبذت تخليط .

﴿ من أهْلها مكاناً شرقياً ﴾ متعلقان بانتبذت ، وقيل مكاناً مفعول به لتضمن انتبذت معنى أتت ، والمراد مكاناً شرقياً من بيت المقدس ، أو من دارها تختلى به للعبادة ، معتزلة عن الناس ، وقيل قعدت فى مشرفة لتغتسل من الحيض متحجبة بحائط أو جبل عند ابن عباس ، وبثوب عند بعض ، وذلك كما قال الله D :

﴿ فاتَّخذَت مِنْ دُونِهِمْ حجاباً ﴾ وكون المكان شرقياً اتفاقى لا قصد لها ولا تفضيل لعنة الله على النصارى ، كتب الله عليهم الصلاة إلى الكعبة ، والحج فما صرفهم عن ذلك إلا انتباذها من أهلها مكاناً شرقياً كما ، أخرجه أن ابن أبى حاتم ، عن ابن عباس ، فجعلوا المشرق قبلة .

وروى أنهم كانوا فى زمان عيسى يستقبلون بيت المقدس ، وما استقبلوا الشرق إلا بعد رفعه ، وروى أنهم زعموا أنه ظهر لبعض كبرائِهم ، فأمره بذلك ، ويجوز أن الله اختار لها الشرق بقصدها أو بدونه ، لأنه مطلع الشمس والقمر وغيرهما من الأنوار المحسية المطابقة للنور العقلى ، وروى أن الشرق موضعها فى المسجد إذا طهرت ، وإذا حاضت تحولت إلى خالتها ، أتاها ملك فى صورة شاب أمرد ، وضىء الوجه ، حسن شعر الرأس ، وذلك قوله D :

﴿ فأرسلنا إليها رُوحَنا ﴾ جبريل عند الجمهور ، سمى روحاً لأن الدين يحيا ، والإِضافة للتشريف أو لحب الله إياه كما تقول لمن تحبه : هو روحى ، وفى هذا أيضاً تشريف ، أو لأنه من المقربين الذين لهم روح وريحان ، وقيل : هو عيسى كقوله تعالى فى عيسى :

٢٬٤٦٥ / ٦٬٠٩٣